عن مركز أفرابيا للنخب الأفروعراقية
منصة بحثية أكاديمية ثلاثية اللغة مخصصة للدراسات الأفريقية والأفرو-عراقية.
كلمة المدير العام ومؤسس مركز أفرابيا للنخب الأفروعراقية

بسم الله الرحمن الرحيم
إن المتتبع لواقع الفضاء الأفروعربي المعاصر يلحظ تحولاً نوعياً في طبيعة التحديات التي تواجهه. فلم تعد هذه التحديات مقتصرة على الأزمات السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو الاختلالات الأمنية العابرة التي يمكن معالجتها عبر الأدوات التقليدية، بل إننا اليوم بإزاء إشكاليات بنيوية ذات طابع استراتيجي، تستهدف البنية الإدراكية والوعي الجمعي، وتعمل على إعادة إنتاج أنماط من التبعية.
وفي ضمن هذا الفضاء يكتسب المجال العراقي أهمية محورية. فالعراق، بتاريخه الحضاري العميق وموقعه الجغرافي وعمقه العربي والإسلامي، يمثل حلقة وصل أصيلة بين العالم العربي وأفريقيا. كما أنه يواجه بتجربة فريدة أبعاد هذه التحولات، مما يجعل منه نموذجاً ونقطة ارتكاز أساسية لفهم التحديات المشتركة وصياغة الاستجابات لها.
إن هذا المشهد المركب والممتد عبر جغرافيا الأزمات المشتركة في العالم الأفروعربي، يمكن النظر إليه باعتباره نتاجاً متجدداً لمنظومات الهيمنة والاستعمار الجديد. وهو تشخيص سبقنا إلى الإشارة إليه عدد من الرواد المفكرين، وفي مقدمتهم الزعيم الراحل كوامي نكروما، إلى جانب الآباء المؤسسين في القارة الإفريقية.
لقد شهدت آليات التأثير الدولي تحولاً جوهرياً، فانتقلت من صور التدخل المباشر إلى فضاءات "المعرفة والإعلام والرقمنة". وقد تم تأطير هذه الآليات في سياقات خطابية سعت إلى هندسة مدركات ذهنية مشوهة، وإقامة حواجز نفسية وثقافية بين مجتمعاتنا.
وقد أسفرت هذه المقاربات عن تحويل عناصر التنوع الثقافي والثراء الحضاري، التي تمثل في أصلها مصدر قوة وحصانة فكرية، إلى عوامل محفزة للتشظي الداخلي. وبذلك تم استبدال منطق التكامل الحضاري بمنطق الصدام وإعادة إنتاج خطابات القطيعة.
من هنا جاءت فكرة تأسيس مركز أفرابيا للنخب الأفروعراقية كاستجابة واعية وحقيقية تنسجم مع متطلبات الواقع الذي فرضته تلك التحولات، وإدراكاً عميقاً لما يقتضيه هذا الواقع من ضرورة وضع البرامج والاستراتيجيات المناسبة وتحديد أبرز الآليات للتعاطي مع حجم تأثيرها على المدركات الأفروعربية. ولا شك في أن الخطوة الأولى التي يضعها المركز كأساس لتحقيق أهدافه تحتاج إلى بناء جسور التواصل الفكري والمعرفي بين النخب الأفروعراقية.
وفي مقدمة هذه التحديات، التي يسعى المركز إلى مواجهتها "أزمة الإدراك المتبادل" بوصفها إحدى أخطر الرواسب الفكرية التي خلفتها الهيمنة والاستعمار الأوروبي. لقد أسس الخطاب الاستعماري التاريخي إلى حالة من التشويه الإدراكي لدى الطرفين، وحاول من خلال منظومته الإعلامية والعلمية ترسيخ هذه القطيعة وتشويه الإطار الفكري حتى لدى بعض النخب، خصوصاً من خلال تضخيمه لأزمة تجارة الرقيق واتهام العرب بها لتغطية النمط المؤسسي والأبعاد الهائلة لتلك التجارة التي أدارها الغرب.
لقد تأسس المركز مع إشراقة عام 2026م، مباركاً بالرؤية السديدة والدعم الكريم من سماحة المتولي الشرعي للعتبة الحسينية المقدسة، سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي (دام عزه)، والسيد الأمين العام للعتبة الحسينية المقدسة الأستاذ حسن رشيد العبايجي (دام توفيقه)، ليُعلن بذلك الانطلاقة الرسمية لهذا الصرح المعرفي تحت مظلة العتبة الحسينية المقدسة. وقد جاء اختيار (أفرابيا) كاسم لهذا المركز في إشارة إلى حجم الجهود التي بذلتها وتذلها النخب الإفريقية من أجل الحفاظ على جسر التواصل بين العالمين الإفريقي والعربي، كأمثال البروفيسور والمفكر الكيني الراحل علي المزروعي الذي حاول من خلال هذا المصطلح بيان حجم الاندماج الحضاري والجغرافي والثقافي بين العالمين العربي والإفريقي، إذ كان يعتقد بأن العمق التاريخي والحضاري والاجتماعي بين العرب والأفارقة تجاوز حدود الفاصل المائي للبحر الأحمر وأسس جسراً معرفياً للتواصل بينهما.
ولا شك في أن مشروعاً بهذا الحجم، وأهدافاً بهذه الأهمية لا يمكن تحقيقها إلا من خلال النخبة الواعية والمدركة والتي تجيد الدراسة والتحليل والاستنتاج، ووضع الخطط والبرامج والاستراتيجيات التي تواجه بها هذه التحديات. والنخبة هنا لا تنحصر في خصوص النخبة الأكاديمية وإنما يتسع هذا المفهوم ليشمل النخبة الثقافية والاجتماعية والدينية. فالتحديات التي تواجهنا هي تحديات تهدد هوية مجتمعاتنا، وتستهدف منظومتها الفكرية، ومن ثم كان لابد أن تتصدى النخبة بمفهومها الواسع والشامل وكل من موقعه ومنطلقه لهذه المسؤولية التشاركية.
ولترجمة هذه الرؤية إلى واقع ملموس، يرتكز المركز على حزمة من الآليات الميدانية والأكاديمية:
- تبادل الزيارات الفكرية والأكاديمية* بين الباحثين والنخب من كلا الطرفين لتطوير الفهم المباشر.
- عقد الورش العلمية والبرامج التدريبية التخصصية* لرفع الكفاءات وتبادل الخبرات المعرفية.
- تنظيم جلسات العصف الذهني الاستراتيجي* للوقوف على التحديات الراهنة وصياغة استراتيجيات مشتركة تعز المصالح المعرفية والتنموية المتبادلة
- العمل على تاهيل الشباب من خلال تزويدهم بالمهارات العملية والتخصصات العلمية التي تساهم في تاهيلهم لسوق العمل والمشاركة في النهوض بواقع مجتمعاتهم
إن مركز أفرابيا للنخب الأفروعراقية يشكل منصة علمية وثقافية واجتماعية ودينية للحوار بين جميع الباحثين، والمؤسسات الرسمية والأكاديمية، والطبقة المثقفة، للعمل على أسس تشاركية وتكاملية تقوم على أساس الأخوة الإنسانية، والمشتركات الثقافية والفكرية ومن دون تمييز عرقي أو ديني أو طائفي. فالناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق.
د. هاشم العوادي
مدير مركز أفرابيا للنخب الأفروعراقية
النشرة البريدية
اشترك في نشرتنا الإخبارية لآخر الأبحاث والتحديثات.

