شكلت غابات أفريقيا خلال القرن العشرين أحد أهم النظم البيئية في القارة، حتى وُصفت بأنها «الرئة الثانية للعالم»، لما تؤديه من دور في تخزين الكربون والحفاظ على التوازن البيئي، إلى جانب ما توفره من موارد خشبية وغذائية ومصادر للطاقة. ووفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) لعام 2001، بلغت مساحة الغابات الأفريقية نحو 650 مليون هكتار، بما يعادل 21.8% من إجمالي مساحة القارة.
لكن الفترة الممتدة بين عامي 2006 و2026 شهدت تصاعدًا واضحًا في الضغوط الواقعة على هذه النظم الإيكولوجية. فقد اجتمع التوسع الزراعي مع الاعتماد على الحطب والفحم النباتي، والاستغلال التجاري للأخشاب، والتعدين، وشق البنية التحتية، فضلًا عن الجفاف والحرائق. ومع استمرار هذه الضغوط، تغيرت مؤشرات الكتلة الحيوية الغابية بصورة لافتة، وصولًا إلى تحول الغابات والأراضي الشجرية الأفريقية من بالوعة صافية للكربون إلى مصدر صافٍ له خلال الفترة التي رصدتها الدراسات الحديثة.
نقطة التحول: عام 2010
تشير الدراسات الرصدية المعتمدة على الاستشعار عن بعد والذكاء الاصطناعي، والتي شارك فيها المركز الوطني لمراقبة الأرض في المملكة المتحدة وجامعات ليستر وشيفيلد وإدنبرة، إلى أن عام 2010 مثل نقطة تحول في مسار الكتلة الحيوية الغابية الأفريقية.
فبين عامي 2007 و2010، سجلت أفريقيا زيادة صافية في الكتلة الحيوية الخشبية فوق سطح الأرض بلغت نحو 439 ± 66 تيراغرامًا سنويًا. لكن الاتجاه انعكس بعد عام 2010؛ إذ سجلت القارة خسارة صافية بلغت نحو 132 ± 20 تيراغرامًا سنويًا بين عامي 2010 و2015، ثم استمرت الخسارة بمعدل 41 ± 6 تيراغرام سنويًا بين 2015 و2017.
وبلغ صافي فقدان الكتلة الحيوية فوق سطح الأرض خلال الفترة 2011-2017 نحو 106 ± 16 تيراغرامًا سنويًا، أي ما يعادل قرابة 106 مليارات كيلوجرام. وتركزت الخسائر الأكبر في الغابات المدارية الرطبة عريضة الأوراق، خصوصًا في جمهورية الكونغو الديمقراطية ومدغشقر وبعض مناطق غرب أفريقيا.

وتشير المادة الأصلية إلى زيادة سنوية تقدر بنحو 200 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون مرتبطة بهذا التحول. ويعني ذلك أن فقدان الكتلة الحيوية لم يعد مجرد مؤشر على تراجع الغطاء النباتي، بل أصبح مرتبطًا بصورة مباشرة بقدرة النظم الغابية على تخزين الكربون.
ولا تسير جميع مناطق القارة في الاتجاه نفسه. فقد سجلت بعض مناطق السافانا مكاسب في الكتلة الحيوية، وهو ما عوض جزءًا من الخسائر المسجلة في الغابات، لكنه لم يكن كافيًا لتغيير الاتجاه العام على مستوى القارة.
محددات تدهور الغابات
لا يرتبط تراجع الغابات الأفريقية بعامل واحد، وإنما بمجموعة من الضغوط المتداخلة التي تجمع بين الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية والتغيرات البيئية.
التوسع الزراعي والضغط السكاني
يأتي التوسع الزراعي في مقدمة أسباب فقدان الغطاء الغابي. فالحاجة إلى توفير الغذاء تدفع إلى تحويل مساحات من الغابات إلى أراضٍ زراعية، بينما يؤدي الضغط السكاني والفقر إلى زيادة الاعتماد المباشر على الموارد الطبيعية.
وتربط المادة الأصلية هذا الضغط بالحاجة إلى إطعام نحو 1.5 مليار نسمة، بما يجعل التوسع الزراعي أحد العوامل الأساسية في تغير استخدامات الأراضي في القارة.
الحطب والفحم النباتي
يشكل الاعتماد على الكتلة الحيوية مصدرًا آخر للضغط على الغابات. ويستخدم الحطب والفحم النباتي كمصدر رئيسي للطاقة في مناطق واسعة، وهو ما يرتبط بقطع الأشجار واستنزاف الموارد الحرجية، خصوصًا في المناطق التي تفتقر فيها الأسر إلى بدائل أخرى للطاقة.
وتشير الدراسات الحديثة كذلك إلى ارتباط حرق الكتلة الحيوية والحطب والفحم والانبعاثات الكربونية في النظم البيئية الأفريقية.

الاستغلال التجاري
تتجاوز الضغوط على الغابات الاحتياجات المعيشية المباشرة لتشمل أنشطة اقتصادية واسعة، من بينها التعدين وقطع الأخشاب وشق الطرق وتطوير البنية التحتية، إضافة إلى التوسع في إنتاج المحاصيل التجارية.
ويؤدي ارتفاع الطلب على الأخشاب والوقود والسلع الزراعية إلى زيادة الضغط على الغابات، خاصة في ظل النمو السكاني وتوسع الطلب على الموارد الطبيعية.
الجفاف والحرائق
أضافت العوامل المناخية ضغطًا جديدًا إلى الضغوط القائمة، مع زيادة تواتر وشدة الجفاف والحرائق في عدد من المناطق. وتصبح آثار الحرائق أكثر حدة عندما تتزامن مع أنشطة زراعية تعتمد على الحرق أو مع ضعف إدارة الأراضي والغابات.
وتبرز الحرائق بصورة خاصة في أجزاء من أفريقيا الجنوبية والشمالية، حيث يمكن أن تتجاوز آثارها فقدان الغطاء النباتي لتصل إلى السكان والممتلكات.
1. أفريقيا الوسطى: حوض الكونغو
يمثل حوض الكونغو واحدة من أهم المناطق التي تتجسد فيها الضغوط الواقعة على الغابات الأفريقية. وتضع المادة الأصلية جمهورية الكونغو الديمقراطية في مقدمة الدول من حيث معدلات فقد الغطاء الغابي، بعدما فقدت نحو 218 ألف كيلومتر مربع من الغطاء الحرجي بين عامي 2001 و2024، مع انبعاثات مقدرة بنحو 13 جيجا طن من الكربون.
وتتفق هذه الصورة مع نتائج الدراسة الحديثة التي حددت جمهورية الكونغو الديمقراطية ضمن المناطق الرئيسية التي سجلت خسائر في الكتلة الحيوية، إلى جانب مدغشقر وأجزاء من غرب أفريقيا.
في المقابل، تقدم الغابون نموذجًا مختلفًا داخل حوض الكونغو. فقد حافظت البلاد على نحو 88% من أراضيها كغطاء غابي، مستفيدة من سياسات شملت حظر تصدير الخشب الخام، وتوسيع المحميات، وتشجيع السياحة البيئية. وتصف المادة الأصلية الغابون بأنها «عدن أفريقيا»، في إشارة إلى اختلاف مسارها عن الدول التي تواجه معدلات مرتفعة من فقد الغابات.

ويكشف التباين بين جمهورية الكونغو الديمقراطية والغابون عن اختلاف واضح في طريقة إدارة الموارد الغابية داخل الإقليم نفسه: ففي حين يرتبط أحد المسارين باستمرار الضغط على الغابة، يرتبط الآخر بإجراءات تسعى إلى الحفاظ عليها مع تنظيم الاستفادة الاقتصادية منها.
2. أفريقيا الجنوبية: الحرائق والاستغلال
تحتل الحرائق موقعًا بارزًا في مشهد تدهور الغطاء النباتي في أفريقيا الجنوبية. وتشير المادة الأصلية إلى أن أنغولا فقدت نحو 753 ألف كيلومتر مربع من الغطاء الغابي بين عامي 2001 و2023.
أما موزمبيق، فتبلغ مساحة غاباتها نحو 34 مليون هكتار، بما يعادل 43% من مساحة الدولة. وتشير المادة الأصلية إلى أن البلاد فقدت نحو 8 ملايين هكتار من الغابات منذ سبعينيات القرن الماضي، بمعدل فقد سنوي يبلغ 267 ألف هكتار، أو 0.79%.
ويرتبط 65% من هذا الفقد، وفق البيانات الواردة في المادة الأصلية، بالزراعة القائمة على القطع والحرق، بينما يرتبط 8% بقطع الأخشاب و7% بإنتاج الفحم النباتي.
وتوضح هذه الأرقام أن الضغط على الغابات في موزمبيق لا يرتبط بنشاط واحد، بل ينتج عن تداخل الممارسات الزراعية مع الاستغلال الخشبي وإنتاج الطاقة من الفحم النباتي.
3. شرق أفريقيا: الاعتماد على الكتلة الحيوية
يبرز الاعتماد على الكتلة الحيوية بصورة واضحة في شرق أفريقيا. ففي إثيوبيا تعتمد 80% من الأسر على الحطب، وفق المادة الأصلية، بما يجعل الطاقة المنزلية أحد العوامل المرتبطة بالضغط على الموارد الحرجية.

أما كينيا، فتقدم نموذجًا مختلفًا يرتبط بالسياسة العامة تجاه استغلال الغابات. ففي يوليو 2023، اتخذت الحكومة الكينية قرارًا برفع الحظر المفروض على قطع الأشجار، مستندة إلى مبررات من بينها خلق فرص العمل ودعم الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالقطاع.
وقد أوضحت السلطات لاحقًا أن رفع الحظر يخص الغابات والمزارع التجارية ولا يشمل الغابات الأصلية. ويكشف القرار عن التوتر القائم بين الاعتبارات الاقتصادية قصيرة الأجل ومتطلبات الحفاظ على الموارد الغابية على المدى الطويل.
4. غرب أفريقيا: الزراعة التجارية
تتقدم الزراعة التجارية بوصفها أحد أبرز أسباب تدهور الغابات في غرب أفريقيا. وتقدم نيجيريا مثالًا واضحًا على ذلك، إذ لا تتجاوز نسبة الغطاء الغابي فيها 14% من المساحة الكلية، في ظل التوسع في زراعة النخيل والكاكاو الموجهة إلى التصدير.

ويعكس هذا المسار تحول استخدامات الأراضي من الغابات إلى أنشطة زراعية تجارية، بحيث يصبح الطلب على السلع الزراعية في الأسواق عاملًا مباشرًا في زيادة الضغط على الغطاء الغابي.
5. شمال أفريقيا: غطاء غابي محدود وحرائق مدمرة
يختلف وضع شمال أفريقيا عن بقية الأقاليم بسبب محدودية الغطاء الغابي من الأساس، إذ لا يتجاوز، وفق المادة الأصلية، 7% من المساحة.
وتجعل هذه المحدودية أي خسارة إضافية أكثر تأثيرًا، خصوصًا في ظل الحرائق المتكررة. ففي الجزائر، أسفرت حرائق ولاية الطارف عام 2022 عن مقتل 38 شخصًا، بينما خلفت حرائق جيجل عام 2026، وفق المادة الأصلية، 72 قتيلًا.

ولا تقتصر المشكلة على الخسائر البيئية، إذ تشير المادة الأصلية إلى أن نحو 85% من سكان العالم المعرضين لحرائق الغابات يقطنون في أفريقيا. وتدعم دراسات دولية هذا الاتجاه، إذ خلصت إحدى الدراسات إلى أن 85% من حالات التعرض العالمية لحرائق الغابات التي شملها نطاق الدراسة وقعت في أفريقيا.
ثلاثة مسارات لمستقبل الغابات
تطرح المادة الأصلية ثلاثة مسارات رئيسية يمكن من خلالها قراءة مستقبل الغابات الأفريقية.
1. مسار الكونغو: استمرار الاستنزاف
يقوم هذا المسار على استمرار الضغوط الحالية، بما في ذلك التوسع الزراعي والاستغلال الخشبي والاعتماد على موارد الغابات وتوسع البنية التحتية والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها.
ووفق السيناريو الوارد في المادة الأصلية، فإن استمرار هذا الاتجاه يمكن أن يؤدي إلى مضاعفة الانبعاثات خلال العقد المقبل.
2. مسار كينيا: الاستغلال التجاري
يمثل هذا المسار إعطاء أولوية أكبر للاستخدام الاقتصادي للغابات التجارية، بما يتيح تحقيق مكاسب مباشرة تتعلق بالعمل والدخل والمنتجات الخشبية.
لكن التجربة الكينية تطرح في الوقت نفسه مسألة الحدود الفاصلة بين استغلال الغابات التجارية والحفاظ على الغابات الأصلية، وبين المكاسب الاقتصادية قصيرة الأجل والخسائر البيئية طويلة الأجل.
3. مسار الغابون: الإدارة المستدامة المتكاملة
يقوم النموذج الغابوني على الجمع بين الحفاظ على الغطاء الغابي والاستفادة الاقتصادية المنظمة منه. وتشمل الأدوات التي تبرزها المادة الأصلية حظر تصدير الخشب الخام، وتوسيع المحميات، وتشجيع السياحة البيئية، وربط حماية الغابات بالتصنيع والتمويل المناخي.
ويقدم هذا النموذج تصورًا مختلفًا عن التعامل مع الغابة باعتبارها موردًا للاستخراج المباشر، إذ يركز على زيادة القيمة الاقتصادية للموارد مع الحفاظ على أصلها البيئي.

الغابة بين المورد الاقتصادي والرصيد البيئي
تكشف المقارنة بين الأقاليم والدول الأفريقية عن اختلاف كبير في طبيعة الضغوط والاستجابات. ففي جمهورية الكونغو الديمقراطية، تبرز الخسائر الواسعة في الغطاء والكتلة الحيوية. وفي الغابون، تظهر سياسات أكثر ارتباطًا بالحماية والإدارة المستدامة. وفي أفريقيا الجنوبية تبرز الحرائق والزراعة بالحرق والقطع، بينما يظل الاعتماد على الطاقة الحيوية عاملًا مهمًا في شرق القارة. أما غرب أفريقيا، فتتقدم الزراعة التجارية ضمن أسباب فقدان الغابات، في حين تواجه دول شمال أفريقيا خطرًا مضاعفًا بسبب محدودية غطائها الغابي أصلًا.
وتشير الدراسة المنشورة عام 2025 إلى أن الغابات والأراضي الشجرية في أفريقيا لا تزال تحتوي على مخزون ضخم من الكتلة الحيوية فوق سطح الأرض، يقدر بنحو 118 بيتاغرامًا، بما يعادل قرابة 59 بيتاغرامًا من الكربون.
ومع استمرار فقدان الكتلة الحيوية، تتراجع قدرة الغابات على أداء دورها الطبيعي في تخزين الكربون. ومن هنا يصبح مستقبل الغابات مرتبطًا في الوقت نفسه بسياسات الطاقة والزراعة والتجارة والتنمية وإدارة الأراضي.
الخاتمة
تكشف الفترة الممتدة بين 2006 و2026 عن تحول قضية الغابات الأفريقية من مشكلة تتعلق بفقدان الأشجار والغطاء النباتي إلى قضية تتداخل فيها احتياجات التنمية مع الأمن الطاقي والغذائي والأنشطة التجارية والقدرة على مواجهة تغير المناخ.
ويمثل عام 2010 نقطة تحول واضحة في مسار الكتلة الحيوية، بعدما انتقلت المؤشرات من مرحلة الزيادة إلى مرحلة الخسارة. وأكدت الدراسات المنشورة لاحقًا أن الغابات والأراضي الشجرية الأفريقية تحولت خلال الفترة 2010-2017 من بالوعة صافية للكربون إلى مصدر صافٍ له.
وفي المقابل، تظهر التجارب الوطنية أن المسارات ليست متطابقة. فجمهورية الكونغو الديمقراطية تمثل نموذجًا لضغط متواصل على الموارد، بينما تقدم الغابون نموذجًا أكثر ارتباطًا بالحماية وإعادة تنظيم الاستفادة الاقتصادية من الغابة، وتكشف كينيا عن التوتر بين الاستغلال التجاري ومتطلبات الحفاظ على الموارد الطبيعية.
ويبقى مستقبل الغابات الأفريقية مرتبطًا بالخيارات التي ستتخذها الدول بشأن طريقة استخدام هذه الموارد وإدارتها، وبمدى قدرتها على التعامل مع الغابة باعتبارها أصلًا بيئيًا واقتصاديًا طويل الأجل، لا مجرد مصدر للعائد السريع.
المراجع
· FAO. State of the World’s Forests 2001. Rome, 2001.
· National Centre for Earth Observation, UK Universities. Satellite-based assessment of African forest biomass 2010-2025. 2025.
· World Bank Group. Deforestation in Mozambique: 2007-2016. In partnership with Government of Mozambique.
· Al-Arabiya. “Kenya lifts ban on logging.” July 2023.
· Al-Mayadeen. “Gabon: Africa’s Eden Model.”


