يشهد النظام العالمي للطاقة تحولًا متسارعًا مدفوعًا بتداعيات تغير المناخ، والتوجه نحو خفض الانبعاثات الكربونية، والبحث عن مصادر طاقة أكثر استدامة. وفي هذا السياق، برزت الصحارى الأفريقية، وفي مقدمتها الصحراء الكبرى، بوصفها أحد أهم الأصول الاستراتيجية القادرة على الإسهام في إعادة تشكيل خريطة الطاقة العالمية. فالصحراء الكبرى، التي تمتد على نحو 9.2 مليون كيلومتر مربع، تستقبل معدلات مرتفعة من الإشعاع الشمسي تتراوح بين 2000 و2800 كيلوواط ساعة لكل متر مربع سنويًا، وهي من أعلى المعدلات المسجلة عالميًا. وتشير تقديرات مشروع DESERTEC إلى أن كمية الطاقة الشمسية الساقطة على المناطق الصحراوية خلال ساعات محدودة تكفي – نظريًا – لتلبية الاستهلاك السنوي العالمي من الطاقة، وهو ما يعكس الإمكانات الهائلة التي تختزنها هذه المنطقة.
وقد أدى هذا الواقع إلى بروز تصور استراتيجي ينظر إلى الصحراء الأفريقية باعتبارها مركزًا عالميًا لإنتاج الطاقة النظيفة، سواء عبر توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية أو من خلال إنتاج الهيدروجين الأخضر ومشتقاته. ولم يعد النقاش يقتصر على استغلال الموارد الطبيعية، بل امتد إلى قضايا تتعلق بالأمن الطاقوي، وسلاسل القيمة الصناعية، والتنمية الاقتصادية، وموقع أفريقيا في الاقتصاد منخفض الكربون.
يناقش هذا المقال الأسس العلمية التي تستند إليها هذه الرؤية، ويتتبع تطور مشروع DESERTEC، ويستعرض تجارب المغرب وموريتانيا وناميبيا في قطاع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، كما يتناول التحديات التي ما تزال تواجه تحويل الإمكانات الطبيعية للقارة إلى قاعدة إنتاجية ذات قيمة مضافة.
أولًا: الأساس العلمي... لماذا الصحراء الأفريقية؟
ترجع الأهمية الاستراتيجية للصحارى الأفريقية إلى مجموعة من العوامل الطبيعية والجغرافية التي تجعلها من أكثر مناطق العالم ملاءمة لتطوير مشروعات الطاقة المتجددة على نطاق واسع.
يتمثل العامل الأول في ارتفاع مستويات الإشعاع الشمسي المباشر، إذ تسجل معظم المناطق الصحراوية معدلات تعد من الأعلى عالميًا، وهو ما يعزز كفاءة كل من محطات الطاقة الشمسية المركزة (CSP) وأنظمة الخلايا الكهروضوئية (PV)، ويخفض تكلفة إنتاج الكهرباء على المدى الطويل.
أما العامل الثاني فيتمثل في اتساع المساحات المتاحة. فالكثافة السكانية المحدودة وندرة الاستخدامات الزراعية في أجزاء واسعة من الصحراء تقللان من تعارض مشروعات الطاقة مع الأنشطة الاقتصادية الأخرى، وهو ما يتيح إنشاء محطات ضخمة دون ضغوط كبيرة على استخدامات الأراضي.
ويكتسب العامل الثالث أهمية خاصة من منظور الأسواق الدولية، إذ لا تفصل شمال أفريقيا عن جنوب أوروبا سوى مسافة قصيرة عبر مضيق جبل طارق، حيث يبلغ عرضه في أضيق نقاطه نحو 14 كيلومترًا. وتوفر هذه الميزة الجغرافية إمكانية نقل الكهرباء عبر خطوط الجهد العالي المستمر (HVDC)، بما يقلل فاقد النقل مقارنة بالمسافات الطويلة.
وقد خلصت دراسات صادرة عن المركز الألماني للطيران والفضاء (DLR) إلى أن استغلال الموارد الشمسية في صحارى شمال أفريقيا يمكن أن يسهم في دعم أمن الطاقة، وخفض الانبعاثات الكربونية، وتعزيز التكامل الطاقوي بين ضفتي البحر المتوسط، شريطة توافر البنية التحتية والاستثمارات والأطر التنظيمية المناسبة.
ثانيًا: مشروع DESERTEC... رؤية طموحة سبقت ظروفها
طُرحت فكرة DESERTEC بصورة مؤسسية عام 2009 من خلال مؤسسة غير ربحية هدفت إلى توظيف الموارد الشمسية والرياح في المناطق الصحراوية لدعم أمن الطاقة العالمي، والحد من آثار تغير المناخ، وتعزيز التنمية المستدامة في الدول المنتجة للطاقة المتجددة.
استند المشروع إلى تصور يقوم على إنشاء محطات ضخمة للطاقة الشمسية، تعتمد بصورة رئيسية على تقنية الطاقة الشمسية المركزة (CSP)، ثم نقل الكهرباء المنتجة إلى أوروبا والشرق الأوسط عبر شبكة إقليمية تعتمد على خطوط الجهد العالي المستمر (HVDC). وقدرت الدراسات الأولية التكلفة الاستثمارية للمشروع بنحو 400 مليار يورو.
ورغم الطموح الكبير الذي صاحب إطلاق المبادرة، فإن المشروع واجه مجموعة من التحديات حالت دون تنفيذه بالصورة التي خُطط لها. فقد كانت تقنيات الطاقة الشمسية، خلال السنوات الأولى من العقد الماضي، أعلى تكلفة مقارنة بالوقود الأحفوري، كما أن الانخفاض الكبير الذي شهدته أسعار الخلايا الكهروضوئية لاحقًا غيّر أولويات الاستثمار العالمية على حساب محطات الطاقة الشمسية المركزة.
وأضيف إلى ذلك عدد من العوامل الأخرى، من بينها حالة عدم الاستقرار السياسي في بعض دول شمال أفريقيا خلال تلك الفترة، والتحديات المرتبطة بالظروف البيئية الصحراوية، مثل تراكم الرمال والحاجة المستمرة إلى تنظيف المرايا، فضلًا عن متطلبات المياه اللازمة لتشغيل بعض الأنظمة.
ومع أن المشروع لم يتحول إلى شبكة طاقة عابرة للقارات كما كان مخططًا، فإنه ترك أثرًا مهمًا في النقاشات الدولية حول مستقبل الطاقة، وأسهم في ترسيخ فكرة أن الصحارى الأفريقية تمتلك مقومات تؤهلها للعب دور محوري في منظومة الطاقة منخفضة الكربون، وهي الفكرة التي أعادت الظهور لاحقًا في مشروعات الهيدروجين الأخضر.
ثالثًا: المغرب وتجربة الانتقال من الإمكانات الطبيعية إلى الإنتاج الفعلي
تمثل التجربة المغربية إحدى أبرز التجارب الأفريقية في توظيف الموارد الطبيعية لإنتاج الطاقة المتجددة على نطاق صناعي. فقد نجح المغرب خلال العقدين الماضيين في بناء استراتيجية وطنية تهدف إلى تنويع مصادر الطاقة، وتقليص الاعتماد على الوقود المستورد، وتعزيز مكانته كمركز إقليمي للطاقة النظيفة.
ويعد مجمع نور ورزازات أحد أبرز المشروعات التي تجسد هذا التوجه، إذ يُصنف ضمن أكبر مجمعات الطاقة الشمسية المركزة في العالم، والأكبر من نوعه في القارة الأفريقية، بقدرة إنتاجية إجمالية تبلغ 580 ميجاواط.
اعتمد المشروع على تقنيات الطاقة الشمسية المركزة (CSP) المدعومة بنظام تخزين حراري باستخدام الأملاح المصهورة، وهو ما يسمح باستمرار إنتاج الكهرباء بعد غروب الشمس لساعات عدة، ويحد من أحد أبرز التحديات المرتبطة بالطاقة الشمسية، والمتمثل في تذبذب الإنتاج.
ولا تقتصر أهمية المشروع على قدرته الإنتاجية، بل تمتد إلى آثاره الاقتصادية والبيئية. فمن المتوقع أن يسهم في تغطية نسبة مهمة من احتياجات المغرب الكهربائية، وأن يوفر ما يقارب مليون طن مكافئ نفطي سنويًا، إلى جانب خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 3.7 مليون طن مقارنة بمصادر الطاقة التقليدية.
واعتمد تنفيذ المشروع على نموذج تمويلي متعدد الأطراف شاركت فيه مؤسسات دولية، من بينها البنك الدولي، وبنك التنمية الأفريقي، وبنك الاستثمار الأوروبي، وبنك التنمية الألماني (KfW)، وهو ما جعله نموذجًا للتعاون الدولي في تمويل مشروعات التحول الطاقوي.
وتعكس تجربة ورزازات تحولًا أوسع في السياسة الطاقوية المغربية؛ إذ لم يعد الاستثمار في الطاقة الشمسية يقتصر على سد الطلب المحلي، بل أصبح جزءًا من رؤية تستهدف تطوير صناعات مرتبطة بالطاقة النظيفة وتعزيز فرص تصديرها مستقبلًا.
رابعًا: الهيدروجين الأخضر... انتقال من تصدير الكهرباء إلى تصدير القيمة المضافة
مع الانخفاض المتواصل في تكاليف إنتاج الكهرباء من مصادر متجددة، وتطور تقنيات التحليل الكهربائي للمياه، اتجه الاهتمام العالمي نحو إنتاج الهيدروجين الأخضر باعتباره أحد أهم الوقود منخفض الكربون القادر على إزالة الانبعاثات من قطاعات يصعب خفضها بالاعتماد على الكهرباء وحدها، مثل الصناعات الثقيلة، والنقل البحري، وصناعة الأسمدة.
وأدى هذا التحول إلى انتقال النقاش من فكرة تصدير الكهرباء عبر الشبكات العابرة للحدود إلى تصدير منتجات ذات قيمة مضافة أعلى، مثل الهيدروجين والأمونيا الخضراء، وهو ما منح العديد من الدول الأفريقية فرصة لإعادة تعريف دورها في الاقتصاد العالمي للطاقة.
1. موريتانيا... مشروع استراتيجي على ساحل الأطلسي
برزت موريتانيا خلال السنوات الأخيرة باعتبارها إحدى أكثر الدول الأفريقية جذبًا للاستثمارات في قطاع الهيدروجين الأخضر، مستفيدة من الجمع بين موارد شمسية وريحية استثنائية، وموقع جغرافي قريب من الأسواق الأوروبية.
وفي 5 ديسمبر/كانون الأول 2025 أعلنت الحكومة الموريتانية هدفًا يتمثل في الوصول إلى إنتاج 12.5 مليون طن من الهيدروجين الأخضر بحلول عام 2035، بالتوازي مع استكمال الإطار التشريعي والتنظيمي للقطاع، بما في ذلك اعتماد أول مدونة وطنية للهيدروجين الأخضر وإنشاء هيئة متخصصة للإشراف على تطويره.
ومن أبرز المشروعات المعلنة مشروع AMAN، الذي يستهدف تطوير نحو 30 جيجاواط من قدرات الطاقة المتجددة لإنتاج ما يصل إلى 1.7 مليون طن من الهيدروجين الأخضر أو قرابة 10 ملايين طن من الأمونيا الخضراء سنويًا وفق المخطط المعلن.
كما يشكل مشروع Nour بالقرب من مدينة نواذيبو خطوة أخرى في هذا الاتجاه، إذ يستهدف تطوير قدرة تقارب 10 جيجاواط بالشراكة مع جهات أوروبية، من بينها ميناء روتردام، بما يدعم إنشاء ممرات تصدير للهيدروجين نحو الأسواق الأوروبية.
وتتجاوز القدرة الإجمالية للمشروعات المعلنة في موريتانيا 100 جيجاواط، وهو ما يعكس حجم الرهانات الدولية على الإمكانات الطبيعية التي تمتلكها البلاد، وإن كانت هذه المشروعات لا تزال في مراحل مختلفة من التطوير ولم تدخل معظمها مرحلة التشغيل التجاري.
2. ناميبيا... نموذج جنوب القارة
تمضي ناميبيا في الاتجاه ذاته عبر استراتيجية وطنية تستهدف تحويل البلاد إلى مركز إقليمي لإنتاج الهيدروجين الأخضر، مستفيدة من موارد الرياح والطاقة الشمسية، إلى جانب دعم أوروبي متزايد في إطار مبادرة Global Gateway.
ومن بين المشروعات المعلنة مشروع يعتمد على محطة شمسية بقدرة 85 ميجاواط لتغذية وحدات التحليل الكهربائي، في حين تشير التقديرات الأولية إلى أن الاستثمارات المخطط لها، والتي تقترب من 10 مليارات دولار، يمكن أن توفر نحو 15 ألف فرصة عمل خلال مرحلة الإنشاء، إضافة إلى قرابة 3 آلاف وظيفة دائمة بعد بدء التشغيل.
ورغم أن هذه الأرقام تستند إلى تقديرات المشروعات المعلنة، فإنها تعكس الإمكانات الاقتصادية التي ينطوي عليها قطاع الهيدروجين الأخضر بالنسبة للدول الأفريقية، إذا ما اقترن بتطوير الصناعات المحلية وسلاسل الإمداد.
3. المغرب... نحو توطين الصناعات المرتبطة بالطاقة النظيفة
لم يقتصر التوجه المغربي على إنتاج الكهرباء من مصادر متجددة، بل امتد إلى تطوير صناعة الهيدروجين والأمونيا الخضراء، مستفيدًا من الخبرة التي اكتسبها في قطاع الطاقة الشمسية.
ويبرز في هذا الإطار مشروع HEVO Ammonia، الذي يستهدف إنتاج نحو 183 ألف طن من الأمونيا الخضراء سنويًا، بما يغطي ما يقارب 10% من احتياجات المغرب من مدخلات صناعة الأسمدة، ويسهم في تقليل الاعتماد على الغاز الطبيعي المستخدم في إنتاج الأمونيا التقليدية.
وفي الوقت نفسه، يواصل تحالف الهيدروجين الأخضر الأفريقي، الذي يضم مصر، وكينيا، وموريتانيا، والمغرب، وناميبيا، وجنوب أفريقيا، العمل على تنسيق السياسات وجذب الاستثمارات، مع وجود أكثر من 40 مشروعًا معلنًا في مراحل مختلفة من التطوير حتى عام 2030.
ومن منظور اقتصادي، لا تقتصر أهمية هذه المبادرات على تصدير الطاقة، بل تمتد إلى إمكانية بناء صناعات جديدة تعتمد على الهيدروجين الأخضر، بما في ذلك إنتاج الأسمدة، والفولاذ منخفض الكربون، والوقود الصناعي، وهو ما يتيح للدول الأفريقية زيادة القيمة المضافة محليًا بدلًا من الاكتفاء بتصدير المواد الأولية.
خامسًا: أوروبا واستراتيجية استيراد الطاقة النظيفة من أفريقيا
أصبحت مشروعات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر في أفريقيا جزءًا من حسابات الأمن الطاقوي الأوروبي، ولا سيما بعد التحولات التي شهدتها أسواق الطاقة العالمية خلال الأعوام الأخيرة. وفي هذا الإطار، لا تنظر الدول الأوروبية إلى القارة الأفريقية باعتبارها مصدرًا لأشعة الشمس أو الرياح، وإنما بوصفها شريكًا محتملًا في إنتاج الكهرباء والهيدروجين والأمونيا الخضراء القابلة للنقل والتجارة عبر الحدود.
وتبرز ألمانيا بين أكثر الدول الأوروبية نشاطًا في هذا المجال، إذ أطلقت شراكات مع عدد من الدول الأفريقية، من بينها المغرب وموريتانيا، لدعم مشروعات إنتاج الهيدروجين الأخضر، في إطار سياساتها الرامية إلى تحقيق الحياد الكربوني وتنويع مصادر الطاقة.
غير أن هذا التوجه يثير نقاشًا متزايدًا داخل الأوساط الأكاديمية وصنع السياسات في أفريقيا. فعدد من الباحثين يحذرون من أن يقتصر دور القارة على تصدير الطاقة الأولية أو الوقود الأخضر إلى الأسواق الأوروبية، بما يعيد إنتاج أنماط اقتصادية قائمة على تصدير الموارد الخام دون بناء قاعدة صناعية محلية.
ومن هذا المنطلق، يتزايد الاهتمام بتطوير سلاسل قيمة متكاملة داخل أفريقيا، تشمل تصنيع الأمونيا والأسمدة والفولاذ منخفض الكربون والمنتجات الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة، بما يحقق عوائد اقتصادية وفرص عمل أكبر، ويعزز قدرة الاقتصادات الأفريقية على الاستفادة من التحول العالمي نحو الاقتصاد منخفض الانبعاثات.
وفي الوقت نفسه، لا تقتصر المنافسة على أوروبا وحدها؛ إذ تسعى قوى اقتصادية أخرى، من بينها الصين ودول الخليج واليابان وكوريا الجنوبية، إلى توسيع حضورها في مشروعات الهيدروجين الأخضر بالقارة، وهو ما يمنح الدول الأفريقية مساحة أوسع للتفاوض وجذب الاستثمارات، شريطة توافر الأطر التنظيمية والمؤسساتية القادرة على إدارة هذه الشراكات بصورة تحقق المصالح الوطنية.
سادسًا: التحديات التي تواجه اقتصاد الهيدروجين الأخضر في أفريقيا
على الرغم من الإمكانات الطبيعية الكبيرة التي تتمتع بها القارة، فإن تحويلها إلى مركز عالمي لإنتاج الطاقة النظيفة لا يزال يواجه مجموعة من التحديات الهيكلية.
يتمثل التحدي الأول في البنية التحتية، إذ يتطلب تطوير قطاع الهيدروجين الأخضر استثمارات ضخمة في شبكات الكهرباء، وخطوط النقل، ومحطات التحلية، والموانئ، ومنشآت التخزين والتصدير، وهي استثمارات تتجاوز قدرات العديد من الاقتصادات الأفريقية إذا لم تقترن بتمويل دولي طويل الأجل.
أما التحدي الثاني فيرتبط بالحوكمة والأطر التنظيمية. فنجاح هذا القطاع يعتمد على وجود تشريعات مستقرة، وآليات واضحة لتنظيم الاستثمار، وتخصيص الأراضي، وإدارة الموارد الطبيعية، إضافة إلى توفير بيئة مؤسسية تقلل من المخاطر التي يواجهها المستثمرون.
ويبرز المياه بوصفها تحديًا فنيًا لا يقل أهمية، إذ يعتمد إنتاج الهيدروجين الأخضر على التحليل الكهربائي للمياه، في حين تقع غالبية المشروعات المقترحة داخل مناطق تعاني ندرة الموارد المائية. ولهذا تتجه الخطط الحالية إلى دمج محطات التحلية التي تعمل بالطاقة المتجددة ضمن البنية الأساسية للمشروعات، بهدف الحد من الضغوط على المياه العذبة.
ويبقى التحدي الأكثر أهمية هو تحقيق القيمة المضافة المحلية. فنجاح مشروعات الطاقة النظيفة لا يقاس بحجم الصادرات وحده، بل بقدرتها على نقل التكنولوجيا، وتنمية الكفاءات الوطنية، وخلق فرص عمل مستدامة، وتطوير الصناعات المرتبطة بالطاقة داخل الدول المضيفة، بما يضمن أن ينعكس الاستثمار في الموارد الطبيعية على التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
تكشف التجارب التي استعرضها هذا المقال أن الصحارى الأفريقية لم تعد تُنظر إليها باعتبارها مناطق هامشية أو قليلة الجدوى الاقتصادية، بل أصبحت عنصرًا متزايد الأهمية في النقاش العالمي حول مستقبل الطاقة. فقد أسهم التطور المتسارع في تقنيات الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر، إلى جانب تنامي الطلب الدولي على مصادر الطاقة منخفضة الكربون، في إعادة تقييم المزايا الطبيعية التي تمتلكها القارة.
ورغم أن مشروع DESERTEC لم يتحقق بالصورة التي طُرحت عند إطلاقه، فإنه أسهم في ترسيخ فكرة استراتيجية ما زالت حاضرة حتى اليوم، مفادها أن الموارد الشمسية الهائلة في أفريقيا يمكن أن تتحول إلى ركيزة أساسية في منظومة الطاقة العالمية إذا توافرت التكنولوجيا والاستثمارات والأطر المؤسسية المناسبة.
وتشير التجارب الجارية في المغرب وموريتانيا وناميبيا إلى أن القارة دخلت بالفعل مرحلة جديدة تتجاوز إنتاج الكهرباء إلى بناء اقتصاد قائم على الهيدروجين الأخضر ومشتقاته. غير أن نجاح هذا المسار لن يعتمد على حجم الموارد الطبيعية وحدها، بل على قدرة الدول الأفريقية على توظيف هذه الموارد في بناء صناعات محلية، وتعزيز نقل التكنولوجيا، وتطوير سلاسل قيمة قادرة على تحقيق التنمية المستدامة.
وفي هذا الإطار، تبدو الشراكات الدولية أكثر جدوى عندما تقوم على تبادل المنافع وبناء القدرات، لا على الاكتفاء بتصدير الطاقة أو المواد الأولية. فكلما ارتفعت نسبة القيمة المضافة التي تُنتج داخل أفريقيا، ازدادت قدرة القارة على تحويل ثرواتها الطبيعية إلى رافعة للتنمية الاقتصادية وتعزيز موقعها في الاقتصاد العالمي منخفض الكربون.


