من يملك التكنولوجيا لا يملك الأدوات وحدها، بل يملك جزءًا من الطريق الذي تمر عبره المعرفة. فالشبكات التي تصل الناس، والبرمجيات التي يستخدمونها، والمنصات التي يبحثون من خلالها، والخوارزميات التي تحدد ما يصل إليهم، أصبحت جميعها جزءًا من الحياة اليومية ومن إنتاج المعرفة وتداولها. ومع تركّز هذه الأدوات في أيدي عدد محدود من الشركات، تظهر مشكلة أخرى لا تتعلق بالتقنية وحدها: ماذا يحدث للغات والثقافات والمعارف التي لا تجد مكانًا كافيًا داخل هذا النظام؟
يضع دومينيكو فيورمونتي هذه المسألة ضمن نقاش أوسع حول «إمبراطورية الخوارزمية» والاستعمار الرقمي. فالتكنولوجيا التي تبدو واحدة في ظاهرها لا تعمل بالضرورة بالطريقة نفسها في كل مكان، ولا تمنح جميع اللغات والثقافات المساحة ذاتها. ومن هنا يصبح الحديث عن التنوع التكنولوجي مرتبطًا بقدرة المجتمعات على إنتاج تقنياتها ومعارفها وحمايتها، بدل الاكتفاء باستهلاك نماذج صممت في أماكن أخرى.
المعرفة الرقمية في قلب الصراع
المجال الذي تجتمع فيه اليوم السياسة والصحة والتعليم والبحث العلمي والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية هو الويب وتقنياته. ومع هذا التحول، لم تعد البنى الثقافية والاجتماعية والقانونية والاقتصادية منفصلة عن التكنولوجيا، بل أصبحت مرتبطة بما يسميه فيورمونتي «إمبراطورية الخوارزمية».
وتتخذ السيطرة هنا صورًا مختلفة. فالجغرافيا السياسية للمعرفة الرقمية تشمل شبكات الاتصال السلكية واللاسلكية، والتطبيقات، والبرمجيات، ومراكز البيانات، والمعادن والعناصر الأرضية النادرة المستخدمة في بناء هذه المنظومات وإدارتها.
ولهذا لم يعد امتلاك الجيوش أو الموارد الطبيعية أو القوة الاقتصادية أو الجامعات ووسائل الإعلام كافيًا وحده. فهذه الموارد تفقد جزءًا من قدرتها على التأثير عندما تغيب السيطرة على البنى التحتية وأدوات الاتصال.
ويربط فيورمونتي هذا التحول بما طرحه الاقتصادي الكندي هارولد إنيس حول الحدود والقيود السياسية والثقافية والأيديولوجية التي تحملها التكنولوجيا. فالدعائم المادية لأي تقنية لا تكون محايدة تمامًا، إذ تتأثر بالجهات التي تصممها وتتحكم فيها.
وكما احتاجت صناعة النشر الحديثة في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي إلى إمدادات فعلية من عجينة الورق، أصبح الاتصال اليوم غير قابل للتصور من دون بنية تحتية للشبكة.
حين تصبح اللغة جزءًا من المشكلة
لا تتوقف المسألة عند سيطرة الشركات الكبرى على السوق. فالتحدي ثقافي أيضًا، لأن توحيد معايير الاتصال يسهل انتشار البروتوكولات والخوارزميات والبرمجيات على نطاق واسع، لكنه قد يترك أثرًا على التنوع.
ويظهر ذلك بوضوح في المجال اللغوي. فصفحة البحث في غوغل متاحة بـ149 لغة، بينما تتوفر خرائط غوغل بأكثر من 70 لغة، ويمكن لمحرك البحث، وفق مصادر أخرى، أن يدعم ما يصل إلى 348 لغة. لكن قسم الإعلانات في الشركة أعلن في نوفمبر 2020 أنه يتعامل مع 49 لغة فقط، أكثر من نصفها لغات أوروبية.
وتضم قاعدة بيانات «إثنولوج» أكثر من 7000 لغة حية، ما يكشف حجم المسافة بين التنوع اللغوي الفعلي وما تستطيع إحدى أكبر الشركات الرقمية تمثيله عبر أدواتها.
ولا يرى فيورمونتي أن هذا التفاوت مجرد نتيجة تقنية. فعمالقة التكنولوجيا يحتاجون إلى تجاوز المنافسين للحفاظ على مواقعهم، وهو ما يسميه الباحث الأمريكي في الإعلامية يارون لانيير «أثر الإقفال»، أي الحد من الابتكار وحماية التقنيات القائمة.
إنهاء استعمار المعرفة
يقود النقاش حول التكنولوجيا إلى قضية أوسع تتعلق بالمعرفة نفسها. فالتنوع التكنولوجي، بحسب الطرح الذي يقدمه فيورمونتي، لا يمكن فصله عن التنوع اللغوي والثقافي والبيولوجي، كما لا يمكن تحقيقه من دون إعادة النظر في موقع المناطق التي توصف عادة بأنها هامشية.
الموارد المادية التي تجعل الرقمنة ممكنة تتركز في مناطق الجنوب، لكن المسألة لا تتعلق بالموارد وحدها. فقد كان تدمير أشكال المعرفة المنافسة أحد أسباب التخلف، وهو ما تناوله فرانتز فانون في كتابه «معذبو الأرض» حين تحدث عن الاستعمار الذي لا يقتصر على استخراج الموارد وقوة العمل، وإنما يمتد إلى تدمير ثقافات السكان الأصليين.
ويربط فانون الهيمنة الاستعمارية أيضًا بإقناع المستعمَر بدونية ثقافته. وعندما تفقد المعرفة المحلية قيمتها في نظر أصحابها، يصبح النموذج القادم من الخارج معيارًا يسهل تبنيه.
ومن هنا، فإن معالجة الاختلال التكنولوجي بين شمال الكوكب وجنوبه لا تعني ببساطة نقل التقنيات من الشمال إلى الجنوب. المطلوب، وفق هذا الطرح، هو تشجيع تطوير تقنيات محلية مستدامة تحترم التنوع اللغوي والثقافي والبيولوجي.
لكن ذلك يضع مناطق الجنوب أمام سؤال يتعلق بكيفية بناء بنيتها التحتية الخاصة، وفي الوقت نفسه بكيفية التعامل مع المجموعات التي تملك القدرة على منحها الوصول إلى الموارد والخطابات المهيمنة. ويظهر سؤال آخر حول الثمن الذي قد يدفعه التنوع مقابل الظهور والوصول.
الابتكار من الجنوب
رغم هذه المعضلة، ظهرت مشاريع مختلفة في بلدان الجنوب تسعى إلى بناء أشكال أخرى من العلاقة مع التكنولوجيا والمعرفة. ويشير فيورمونتي إلى مبادرات تبدأ من مشاريع السيادة المحلية في مجال البيانات، وتمتد إلى حركة التكنولوجيات غير المنحازة، ومشاريع البيانات الضخمة، ومشاريع مستلهمة من الممتلكات المشتركة، إلى جانب نمو حركة الشبكات الاجتماعية في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
وتقدم أمريكا اللاتينية مثالًا آخر من خلال مبادرات النشر العلمي المفتوح، ومنها منظومات ومنصات مثل Redalyc وScielo وAmeliCa، التي تعيد النظر في نظام النشر المدفوع وفي الهيمنة الثقافية للغة الإنجليزية.
قد تبدو هذه المشاريع محدودة إذا قيست بحجم الاستثمارات الأجنبية الضخمة، لكن التحول الذي يدافع عنه هذا التصور لا يقاس فقط بحجم التمويل. فالقضية ترتبط أيضًا بما يسميه الكاتب الكيني نغوجي وا ثيانغو «إنهاء استعمار العقل».
وعلى هذا الأساس، لم تعد المناطق التي كانت تُعامل بوصفها أطرافًا مجرد متلقية للنماذج التكنولوجية. فقد بدأت تظهر فيها نماذج مختلفة للحفاظ على المعارف في صيغ رقمية، وإتاحتها ونقلها، بما يفتح تصورًا لتنوع تكنولوجي متعدد الثقافات وأكثر إنصافًا واستدامة.
وتبقى الفكرة الأساسية أن التكنولوجيا ليست منفصلة عن اللغة والثقافة والمعرفة. وطريقة إنتاجها وتوزيعها واستخدامها تحدد، إلى حد كبير، المساحة التي تحصل عليها المجتمعات المختلفة داخل العالم الرقمي. لذلك يرتبط التنوع التكنولوجي بمحاولة بناء علاقة مختلفة مع المعرفة، لا تقوم فقط على استهلاك ما ينتج في أماكن أخرى، وإنما تتيح أيضًا إنتاج البدائل وحفظها وتداولها.


