عقول في مهب الحرب: حين يُستهدف عقل الأمة
كيف يُعيد "مركز أفرابيا" و"أفروبوليسي" التفكير في مستقبل التعليم العالي بالسودان؟
حين تتأجج الحروب، لا تُقاس الخسائر بحجم الدمار الذي يلحق بالجدران والبنى التحتية فحسب، بل بالنزيف الصامت الذي يصيب "عقل الأمة" ويمس ركائز وجودها الحضاري والمستقبلي. وفي قلب المأساة السودانية الممتدة، حيث باتت العقول والخبرات الأكاديمية طريدة النزوح والهجرة، تبرز معركة من نوع آخر: معركة حماية الذاكرة المعرفية واستعادة الإنسان. ومن هذا المنطلق، التقت نخبة من القامات الفكرية والأكاديمية في الفعالية الرقمية الرابعة التي نظمها مركز أفرابيا للنخب الأفروعراقية بالتعاون مع المركز الأفريقي للأبحاث ودراسة السياسات (أفروبوليسي)، يوم السبت الموافق 8 آب/ أغسطس 2026.

تحت عنوان «التعليم العالي في السودان في ظل النزاعات المسلحة: التحديات ورؤى إعادة البناء»، لم تكن الندوة مجرد استعراض روتيني لأرقام الكارثة، بقدر ما كانت وقفة تأمل استراتيجية تُشخّص جراح الأكاديميا السودانية وتضع خريطة طريق متكاملة لربط تعافي الجامعات بمسار إعادة بناء الدولة.
نزيف العقول وتجريف الذاكرة الوطنية
افتتح د. هاشم العوادي (مدير مركز أفرابيا للنخب الأفروعراقية ورئيس ادارة الويبنار) النقاش برسم ملامح الفاجعة الإنسانية والمعرفية انطلاقا من العراق مرورا لبنان مرورا بغزه وصولا إلى السودان ؛ مبيناً أن التعليم العالي يُعد أول القطاعات الحيوية استهدافاً في أوقات الحروب المسلحة؛ إذ تضع الحرب المؤسسات أمام مأزق مزدوج: نزيف حاد في هجرة العقول والخبرات، وتعطل قسري لإنتاج الكفاءات الشابة، مما يُصيب شريان التنمية الوطنية بالشلل التام.
وفي امتدادٍ لهذا الطرح، ذهب البروفيسور سليمان يحيى محمد (أستاذ الفنون والفلكلور ودراسات السلام بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا) إلى ما هو أبعد من الخسائر المادية؛ مؤكداً أن الفقد الحقيقي ليس في سقوط المباني والجامعات، بل في خطر تجريف "الذاكرة الوطنية" وفقدان الدولة لقدرتها على إعادة إنتاج مؤسساتها. واعتبر أن إعادة بناء الجامعة لا ينبغي أن تُعامل كملف ثانوي يتبع انتهاء الحرب، بل هي الحجر الزاوية والمكون الأساسي لأي مشروع جاد لإعادة إحياء الدولة السودانية.

التعليم كقضية أمن قومي وصراع على الهوية
ومن نقطة التقاء الأكاديميا بالسياسة، حذر د. محمد صالح عمر (مدير مركز أفروبوليسي) من أن التغاضي عن معالجة أزمة التعليم العالي سيُحيل الأمر كلياً إلى أزمة وجودية للدولة؛ باعتبار أن الجامعات هي المورد الأساسي لكفاءات المؤسسات الوطنية. ودعا إلى التعاطي مع ملف التعليم العالي بوصفه «قضية أمن قومي»، تستدعي تحركاً استثنائياً لاستعادة الكفاءات السودانية، وتطوير التعليم الهجين والإلكتروني، وبناء شبكة أكاديمية دولية تسهم في ترميم المنظومة.
وعلى ذات الصعيد التحليلي العميق، أضاء د. عاطف آدم محمد عجيب (رئيس قسم دراسات السلام بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا) على زاوية سياسية وإنسانية حادة؛ موضحاً أن التعليم في زمن الحرب يتحول من خدمة عامة إلى ساحة مفتوحة للصراع على الشرعية والسلطة والهوية. وطرح إشكالية من يملك قرار التعليم عند انهيار الدولة، مشيراً إلى التحدي الثلاثي الذي يطوق أعناق الطلاب والأساتذة: المال، والشرعية، والاعتماد الأكاديمي.

الصمود الرقمي والبدائل في قلب المأساة
ورغم قسوة المشهد، لم تخلُ المداخلات من روح المقاومة الأكاديمية؛ إذ أشار د. مأمون عبد الرؤوف إلى أنه رغم التكلفة الباهظة التي فرضتها الحرب من تدمير ونزوح، إلا أن عدداً من المؤسسات استطاع انتزاع حق التعليم ومواصلة العملية الأكاديمية عبر المنصات الرقمية والشراكات الخارجية. ودعا إلى توجيه البحث العلمي فوراً لمعالجة الأزمات الحيوية كالصحة، والطاقة، والمياه، والزراعة، والأمن الغذائي، لربط قرارات الدولة بالدراسات العلمية.
ولترجمة هذا الصمود إلى أطر استراتيجية، قدم البروفيسور أحمد صلاح الدين عبدالله (عميد كلية الدراسات العليا بجامعة السودان المفتوحة) رؤية عملية تتجاوز الاستجابة المؤقتة؛ مطالباً بصياغة "استراتيجية وطنية للتعليم في حالات الطوارئ". وتتكامل هذه الرؤية عبر الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وتأمين الفضاء السيبراني، وتأسيس مراكز لإدارة الأزمات، فضلاً عن إدراج الدعم النفسي والاجتماعي للطلاب وأعضاء هيئة التدريس كأولوية لا تقل أهمية عن التحصيل العلمي.

خارطة الطريق: تمويل الرؤية وحماية التراث
ولكي لا تبقى هذه الرؤى حبيسة الأدراج، وضع د. عباس التجاني محمد (الباحث في دراسات السلام والإعلام) النقاط على الحروف التمويلية والإجرائية؛ مؤكداً أن التعافي يستلزم رؤية استراتيجية وتمويلاً صلباً. ودعا إلى إنشاء "صندوق قومي للتعليم العالي وصندوق للطوارئ"، مع تفعيل الشراكات مع السودانيين في الخارج والقطاع الخاص والمنظمات الإقليمية والدولية، ليس فقط لإعادة تأهيل المؤسسات، بل لحماية المكتبات والوثائق والتراث العلمي الذي يمثل الروح الحضارية للسودان.

وفي نهاية الوبينار العلمي اكدت النخبة المتخصصة والضيوف الكرام على ان بناء الإنسان قبل الجدران
كما اختُتم الويبنار بإجماع إنساني وأكاديمي على أن معركة إنقاذ التعليم العالي في السودان هي معركة على مستقبل الإنسان قبل الحجر. إن إعادة البناء الحقيقية تبدأ من استعادة رأس المال البشري، وحماية الذاكرة الجمعية، وجعل الجامعات القاطرة الأساسية لقيادة السلام وإعادة تعافي الدولة على أسس من العلم والمعرفة.
معًا.. نصوغ وعي الحاضر ونمتلك سردية المستقبل.


