تتجه العتبة الحسينية المقدسة إلى تعزيز مكانة كربلاء كمركز طبي متقدم في العراق، من خلال توسيع منظومتها الصحية وتطوير المؤسسات الطبية التابعة لها، في إطار رؤية تهدف إلى الارتقاء بالقطاع الطبي في المحافظة وجعلها «مدينة الشفاء» على الصعيد الطبي، بما يوفر خدمات علاجية متقدمة للمواطنين والزائرين.
ويأتي هذا التوجه في سياق نشاط متواصل للعتبة الحسينية في المجال الصحي، إذ شهدت السنوات الأخيرة توسعًا في إنشاء وتطوير المؤسسات الطبية المتخصصة، إلى جانب الاستثمار في التقنيات الحديثة وتوفير خدمات علاجية مجانية لفئات مختلفة من المرضى. وقد أكدت العتبة في تصريحات حديثة أن الارتقاء بالقطاع الطبي يمثل أحد أهدافها، وأن تطوير المؤسسات الصحية يأتي ضمن رؤية أوسع لتعزيز مستوى الرعاية الطبية في كربلاء.
ولا تنفصل هذه الرؤية عن مسار بدأته العتبة الحسينية منذ سنوات في مجال الرعاية الصحية والتعليم الطبي. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2024، تحدثت العتبة عن جهودها لجعل كربلاء «مدينة للشفاء والرحمة» لجميع العراقيين، بالتوازي مع التوسع في المؤسسات الطبية المتخصصة، ولا سيما في مجال علاج الأورام.
وشهدت المنظومة الصحية التابعة للعتبة توسعًا في عدد المؤسسات والتخصصات، من بينها مؤسسة وارث الدولية لعلاج الأورام، ومستشفى الإمام المجتبى لأمراض الدم وزراعة نخاع العظم، ومستشفى الإمام زين العابدين، إلى جانب عدد من المراكز والمؤسسات الطبية الأخرى.
وفي يوليو/تموز 2026، أعلنت هيئة الصحة والتعليم الطبي التابعة للعتبة الحسينية أن مؤسساتها المتخصصة في علاج السرطان قدمت خدمات علاجية لنسبة كبيرة من الأطفال المصابين بالسرطان في العراق، مع توفير رعاية تخصصية مجانية للأطفال القادمين من مختلف المحافظات. كما أعلنت الهيئة في مايو/أيار 2026 عن تقديم خدمات طبية مجانية لأكثر من ألف طفل خلال شهر واحد، إلى جانب إجراء عشرات الآلاف من الفحوص الطبية والمختبرية وتقديم جلسات للعلاج الإشعاعي والكيميائي.
ولا يقتصر التوسع على زيادة المؤسسات الصحية، بل يشمل إدخال تقنيات طبية حديثة. ففي فبراير/شباط 2026، أعلنت هيئة الصحة والتعليم الطبي استعدادها لإدخال جهاز للروبوت الجراحي وجهاز PET Scan متنقل، في إطار خططها لتطوير قدرات التشخيص والعلاج والاستفادة من التقنيات الطبية الحديثة.
ويمتد هذا التوجه كذلك إلى التعليم الطبي وإعداد الكوادر الصحية، من خلال جامعة السبطين الدولية للعلوم الطبية في كربلاء، التي تضم تخصصات في الطب والتمريض والقبالة والتأهيل والعلاج الطبيعي، إلى جانب مرافق تدريبية ومختبرات طبية. ويعكس الجمع بين المؤسسات العلاجية والتعليم الطبي توجهًا نحو بناء منظومة صحية أكثر تكاملًا، لا تقتصر على تقديم العلاج، وإنما تشمل إعداد الكوادر وتطوير الخبرات الطبية.
وتكتسب هذه المنظومة أهمية خاصة بالنسبة إلى كربلاء، التي تستقبل أعدادًا كبيرة من الزائرين على مدار العام، ولا سيما خلال المناسبات الدينية الكبرى. ولذلك طورت العتبة الحسينية قدراتها الطبية الميدانية للتعامل مع الحالات الطارئة وأعداد المراجعين خلال مواسم الزيارات، إلى جانب تشغيل فرق طبية ومراكز ومخيمات صحية وتوفير خدمات الإسعاف والرعاية العاجلة.
وتشير هذه المشاريع والتصريحات إلى أن تعبير «مدينة الشفاء» يُطرح بوصفه رؤية لتطوير الدور الطبي لكربلاء، وليس اسمًا لمشروع عمراني مستقل. وتقوم هذه الرؤية على شبكة من المؤسسات العلاجية والتخصصية والتعليمية، إلى جانب توسيع الخدمات الطبية وإدخال التقنيات الحديثة وتوفير الرعاية للمواطنين والزائرين.
ويعكس هذا التوجه انتقال النشاط الصحي للعتبة الحسينية من الاستجابة للحالات الطارئة والمبادرات الطبية المحدودة إلى بناء منظومة أكثر اتساعًا تشمل المستشفيات التخصصية، وعلاج الأورام، والتعليم الطبي، والتشخيص المتقدم، والتدريب، والاستجابة للطوارئ. ومن شأن استمرار هذه المشاريع، بالتوازي مع التنسيق مع المؤسسات الصحية الحكومية، أن يعزز موقع كربلاء كمركز للرعاية الطبية المتخصصة في العراق.
وبذلك، فإن «مدينة الشفاء» تمثل عنوانًا لرؤية صحية تسعى العتبة الحسينية من خلالها إلى توسيع دور كربلاء في مجال الرعاية الطبية، وربط الخدمات العلاجية المتخصصة بالتعليم والتقنيات الحديثة وخدمة السكان والزائرين، في وقت يشهد فيه القطاع الصحي في المحافظة توسعًا متواصلًا في المؤسسات والخدمات الطبية.


