لم يعد استهداف الإرث الإنساني في النزاعات المعاصرة مقتصرًا على تدمير المواقع الأثرية والممتلكات الثقافية المادية، بل امتد بصورة متزايدة إلى العناصر غير المادية التي تشكل ذاكرة المجتمعات وهويتها، بما في ذلك اللغات والطقوس والمعتقدات والممارسات الاجتماعية والفنون والمعارف والمهارات. ومن ثم، أصبح التراث الثقافي غير المادي جزءًا من معادلة الصراع، سواء من خلال محاولات حمايته والحفاظ عليه، أو عبر استهدافه بصورة متعمدة بهدف إضعاف هوية الجماعات وإعادة تشكيل ذاكرتها.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في مناطق مثل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي راكمت عبر قرون متعاقبة إرثًا حضاريًا وثقافيًا غنيًا تركته حضارات وشعوب متعددة. فقد خلف الفراعنة والآشوريون والبابليون والإغريق والرومان والعرب والفرنسيون والبريطانيون نقوشًا وشواهد تؤرخ لأنظمتهم وحكمهم، وأصبحت أجزاء من هذا الإرث لاحقًا ضمن التراث العالمي، مثل أهرامات مصر، وآثار البتراء في الأردن، وقرطاج في تونس، وقصور بابل في العراق، وتمبكتو في مالي، وغيرها. وأسهم هذا التراكم الحضاري في جعل المنطقة من أكثر مناطق العالم ثراءً بالممتلكات الثقافية والتاريخية، وفي تحويل عدد من مواقعها إلى وجهات يقصدها الزوار من مختلف أنحاء العالم.
ولا تنحصر قيمة التراث في كونه سجلًا للماضي؛ إذ يمثل أيضًا وسيلة لربط الأجيال بتاريخها وإعادة إنتاج عناصر الهوية الثقافية في الحاضر. وتتناول الثقافة، بهذا المعنى، مجمل السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعًا أو مجموعة اجتماعية، وتشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة وأساليب العيش المشترك ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات. كما يرتبط تعزيز التعددية الثقافية بسياسات تشجع المشاركة والاندماج والتماسك الاجتماعي وحيوية المجتمع المدني وإرساء السلام.
v استهداف التراث بوصفه استهدافًا للهوية
أظهرت الصراعات المسلحة الحديثة أن تدمير التراث يمكن أن يكون جزءًا من استراتيجية تستهدف المجتمع ذاته. فبينما طالت الحروب المعالم المادية من خلال التدمير والنهب، تعرض التراث غير المادي أيضًا لمحاولات طمس متعمدة تستهدف الهوية الثقافية للخصم.
ومن أبرز الأمثلة التي توردها المادة الأصلية ما حدث خلال الحرب في يوغوسلافيا السابقة في بداية تسعينيات القرن العشرين، عندما أقدمت الأطراف المتصارعة في سراييفو ودوبروفنيك على حرق المكتبات واقتلاع لافتات أسماء الشوارع بهدف إصابة الخصم في عمق ذاكرته ومحو تاريخه وهويته. ويندرج تدمير جسر موستار في البوسنة والهرسك ضمن السياق ذاته؛ إذ لم يكن تدميره مرتبطًا بدلالة عسكرية أو استراتيجية مباشرة، وإنما ارتبط بمحاولة تعميق الهوة بين الطوائف وفصلها عن بعضها.
وتكرر النمط نفسه في أفغانستان من خلال تحطيم تمثالي بوذا في باميان، وفي العراق من خلال تدمير مسجد الإمام العسكري، كما شهدت مصر خلال أحداث الثورة تضرر مقتنيات في متحف القاهرة. وفي ليبيا أُشير إلى تحطيم «زاوية الدهماني» بواسطة جرافة، بينما شهدت مالي استهدافًا للتراث على يد الجماعات المتطرفة، ولا سيما من خلال حرق الزوايا في تمبكتو وإتلاف كتب ووثائق مكتبة أحمد بابا، التي تضم نحو 300 ألف كتاب ووثيقة مخطوطة لا تزال تحتاج إلى التحليل والدراسة. وترى المادة أن هذه الأفعال لا يمكن فصلها عن هدف أوسع يتمثل في محو هوية شعب وإرهاب السكان وإرغامهم على الخضوع.
v التراث الثقافي في قلب الصراعات المعاصرة
رغم أن الحديث عن الثقافة والتراث قد يبدو أقل إلحاحًا وسط الأزمات الإنسانية الناتجة عن الحروب، بما تشمله من قتل وتشريد ولجوء وإبادة جماعية وانهيار اقتصادي، فإن تطورات الصراعات خلال القرن الحادي والعشرين دفعت إلى إعادة النظر في موقع التراث داخل أولويات الأمن والسياسات العامة.
فبعد أن كان الإرث الثقافي يُعامل في كثير من الأحيان باعتباره اهتمامًا من الدرجة الثانية أثناء النزاعات المسلحة، أصبح هدفًا مباشرًا في عدد من الحروب الحديثة، سواء في الصراعات بين الدول أو داخل الدول، كما توضح أمثلة أفغانستان والعراق وليبيا ومالي. وينطبق ذلك أيضًا على ما تعرضت له المعالم الأثرية في سوريا من نهب وتدمير؛ إذ أشارت المادة إلى قلعة صلاح الدين، المعروفة أيضًا بقلعة الأكراد أو قلعة الحصن، التي تحولت إلى موقع عسكري، وإلى المدينة القديمة في حلب التي تعرضت للنهب، وتحطيم صومعة المسجد الكبير، فضلًا عن آثار القصف التي أصابت معالم تاريخية تعود إلى قرون في بصرى ودمشق وتدمر. وتكمن خطورة هذه الخسائر في آثارها الممتدة على المجتمع السوري وأجياله المقبلة.
ومن هذا المنظور، يصبح الحفاظ على التراث جزءًا من فهم ديناميات الصراع، وليس مجرد نشاط ثقافي منفصل عن الاعتبارات الأمنية والسياسية. وتؤكد المادة، استنادًا إلى توصية اليونسكو بشأن صون الثقافة التقليدية والفولكلور لعام 1989، ضرورة وضع التراث الثقافي ضمن صميم السياسات الأمنية والثقافية والتنموية، خصوصًا في الدول التي تعاني صراعات ممتدة. كما تدعو إلى إدخاله ضمن أدوات تحليل النزاعات المسلحة، بما في ذلك دراسة علاقته بأنشطة الجماعات الإرهابية وما ينتج عنها من تدمير ونهب لعناصر التراث الثقافي.
ويظل نقص الإمكانات المادية وتزاحم الأولويات والتحديات أمام السلطات من العوامل التي تحد من القدرة على حماية التراث والاستفادة من إمكاناته في دعم التنمية المستدامة. ومن هنا تتقاطع حماية التراث مع قدرة الدولة والمجتمع على إدماجه في سياسات طويلة المدى، بدل التعامل معه باعتباره ملفًا هامشيًا.
v اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي لعام 2003
في إطار تطور الاهتمام الدولي بالتراث غير المادي، اعتمدت اليونسكو اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي في 17 أكتوبر 2003 خلال الدورة الثانية والثلاثين للمؤتمر العام للمنظمة. وتؤكد اليونسكو رسميًا أن الاتفاقية اعتُمدت في باريس في ذلك التاريخ، ودخلت حيز النفاذ في 20 أبريل 2006.
وتعرّف الاتفاقية التراث الثقافي غير المادي بأنه الممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات، إلى جانب الأدوات والأشياء والمصنوعات والأماكن الثقافية المرتبطة بها، التي تعترف بها الجماعات والمجموعات، وفي بعض الحالات الأفراد، بوصفها جزءًا من تراثهم الثقافي. كما تؤكد أن هذا التراث ينتقل من جيل إلى آخر ويُعاد إبداعه باستمرار استجابة للبيئة والتفاعل مع الطبيعة والتاريخ، بما يمنح الجماعات إحساسًا بالهوية والاستمرارية ويعزز احترام التنوع الثقافي والإبداع البشري.
وتتسق هذه الرؤية مع المادة الأصلية، التي ترى أن التراث غير المادي يمثل بوتقة للتنوع الثقافي وعاملًا في تحقيق التنمية المستدامة، وأن أهميته لا تقتصر على حفظ مظاهر الماضي، بل تمتد إلى التقارب والتبادل والتفاهم بين البشر.
v من مونديا كولت إلى الاتفاقية الدولية
لم تأتِ اتفاقية عام 2003 بمعزل عن مسار دولي سابق. فقد وضع المؤتمر العالمي المعني بالسياسات الثقافية، «مونديا كولت»، الذي عُقد في مكسيكو سيتي عام 1982، تصورًا واسعًا للتراث الثقافي يشمل الأعمال المادية وغير المادية التي يعبر الإنسان من خلالها عن إبداعه، ومن بينها اللغات والطقوس والمعتقدات والأماكن والآثار التاريخية والأدب والأعمال الفنية والمحفوظات والمكتبات.
وفي عام 1989 اعتمد المؤتمر العام لليونسكو التوصية المتعلقة بصون الثقافة التقليدية والفولكلور، والتي شكلت أول صك قانوني يتناول التراث الثقافي غير المادي، وأسهمت في بلورة نتائج مؤتمر مونديا كولت. كما عززت اليونسكو تركيز جزء من برنامجها الثقافي على إعداد قوائم الحصر وخطط الصون وتنشيط التراث الثقافي غير المادي لدى الأقليات والشعوب الأصلية.
وفي تسعينيات القرن العشرين، أطلقت اليونسكو برنامج «إعلان روائع التراث الشفهي وغير المادي للبشرية»، الذي استهدف زيادة الوعي بأهمية التراث غير المادي وضرورة توثيقه وصونه وتقييم عناصره وإعداد قوائم بها. كما شجع الدول على إعداد قوائم حصر وطنية واتخاذ تدابير قانونية وإدارية لحماية التراث الشفهي وغير المادي، وتعزيز مشاركة الفنانين التقليديين والممارسين المحليين في تحديد تراثهم وتنشيطه.
واستمرت في بدايات القرن الحادي والعشرين عملية إعداد صك قانوني ملزم. وبعد مفاوضات امتدت إلى عام 2002، تم التوصل إلى توافق في الآراء، قبل أن يعتمد المؤتمر العام لليونسكو، في دورته الثانية والثلاثين المنعقدة في 17 أكتوبر 2003، اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي. وتشير المادة الأصلية إلى أن اتفاقية عام 2003 أصبحت واحدة من الاتفاقيات الثقافية الرئيسية لليونسكو، وأن اتفاقية عام 2005 بشأن حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي جاءت لتكملها في مجال تعزيز التنوع الثقافي وحمايته.
وتؤكد اليونسكو أن الاتفاقية تقصر نطاق الحماية على التراث غير المادي المتوافق مع صكوك حقوق الإنسان الدولية ومتطلبات الاحترام المتبادل بين الجماعات والمجموعات والأفراد ومقتضيات التنمية المستدامة.
v من الحماية من أعلى إلى أسفل إلى المشاركة المجتمعية
تطرح الاتفاقية تحولًا مهمًا في مقاربة صون التراث؛ إذ لا تجعل الحكومات والمؤسسات الرسمية الفاعل الوحيد في عملية الحماية، بل تمنح المجتمعات والمجموعات والأفراد موقعًا مركزيًا في تحديد العناصر التي تمثل تراثها ونقلها وصونها.
وتشير المادة إلى أن صون التراث أصبح أكثر إلحاحًا بسبب عوامل مثل العولمة والتوسع الحضري والفقر، وهي عوامل قد تعرض بعض الممارسات لخطر الاندثار. كما أن الاتفاقية وسعت مفهوم الثقافة ليشمل التراث غير المادي المرتبط بمختلف الأشخاص والشعوب، مع التركيز على مشاركة المجتمعات.
وتؤكد هذه المقاربة أهمية الانتقال من العمل من أعلى إلى أسفل إلى نهج يبدأ من القاعدة ويشرك المجتمعات والمجموعات والأفراد بوصفهم جهات فاعلة أساسية. كما تساعد عملية نقل التراث عبر الأجيال على الربط بين الأجيال السابقة والحاضرة في ظل التحولات الاجتماعية المستمرة. ويتيح الاعتراف بقيمة التراث للجماعات التي تعرض تراثها للإهمال أو التقليل من شأنه أو التجاهل استعادة علاقتها بماضيها وهويتها باعتبارهما أساسًا للمستقبل.
وتوفر الاتفاقية كذلك إطارًا للحوار والتعاون الدوليين، وأداة للدول الأطراف لتنظيم أنشطتها، ووسيلة للمجتمعات لمطالبة الحكومات بدعم صون تراثها وضمان مشاركتها في ذلك. كما تتيح بناء جسور بين الحكومات والجماعات والمنظمات غير الحكومية ومؤسسات التراث والهيئات الأكاديمية وغيرها من الجهات المعنية.
v التراث غير المادي والتنمية المستدامة
تكشف المادة عن محدودية حضور التراث الثقافي غير المادي داخل بعض أطر السياسات التنموية الدولية، رغم ارتباط الثقافة بصورة أوسع بالتنمية. فقد أوضحت دراسة لليونسكو عام 2012 أن الثقافة كانت مدرجة في 70% من جميع أطر عمل الأمم المتحدة للمساعدة الإنمائية، وأن 73% من هذه الحالات كانت مرتبطة بالركائز الثلاث للتنمية المستدامة: الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.
ومع ذلك، ظلت الحالات التي تتصل مباشرة بالتراث الثقافي غير المادي محدودة، رغم تزايدها خلال السنوات السابقة للدراسة. وتشير المادة إلى أن تسع وثائق فقط من جميع وثائق أطر عمل الأمم المتحدة للتنمية المستدامة أشارت إلى التراث الثقافي غير المادي، وكانت موزعة على الركائز الثلاث للتنمية المستدامة وحقوق الإنسان. وتركز معظم هذه الحالات على الصلة بين التراث غير المادي والهوية الوطنية.
وتربط المادة محدودية حضور التراث غير المادي بعوامل عدة، من بينها حداثة دخول اتفاقية عام 2003 حيز النفاذ عام 2006، وعدم وجود مكاتب ميدانية لليونسكو في عدد كبير من البلدان. وبذلك تظل هناك فجوة بين الاعتراف النظري بأهمية الثقافة وبين دمج التراث غير المادي بصورة منهجية في أطر التنمية والسياسات العامة.
v نماذج أفريقية من التراث الثقافي غير المادي
تعكس القوائم التي تعرضها المادة تنوع التراث الأفريقي، وتظهر كيف يمكن أن يتخذ التراث غير المادي أشكالًا متعددة، من الموسيقى والرقص والخطابة إلى فنون الطهي والفروسية، فضلًا عن ممارسات إعداد الطعام والمعارف المرتبطة بها.
1. مالي: المبولون
تورد المادة «أشكال التعبير والممارسات الثقافية المتعلقة بآلة مبولون الموسيقية الإيقاعية التقليدية» في مالي ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل. وتوضح اليونسكو أن M’Bolon أُدرجت في قائمة التراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل عام 2021.
والمبولون آلة موسيقية مستخدمة في جنوب مالي، وتتكون، وفق المادة، من صندوق صوتي كبير مصنوع من نبات الكالاباش ومغطى بجلد البقر، وعنق خشبي منحني الشكل مزود بأوتار. ويرتبط عدد الأوتار بطريقة استخدامها؛ فالمبولون أحادية وثنائية الوتر تستخدمان في المناسبات الشعبية والشعائر والاحتفالات الدينية، بينما تستخدم الآلات ذات الثلاثة والأربعة أوتار في مدح زعماء القبائل والإشادة بالأعمال البطولية للملوك، وكذلك لمرافقة المزارعين في الحقول. ويتعلم الأفراد استخدام الآلة عبر التدريب المهني وفي إطار الجمعيات والرابطات المحلية.
وتشير المادة إلى أن قائمة التراث غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل تضم عناصر من التراث الحي المهددة بعدم الاستمرار، وتستهدف حشد التعاون والمساعدة الدوليين لدعم نقل هذه الممارسات بالتنسيق مع المجتمعات المحلية المعنية. كما تذكر المادة أن القائمة كانت تتضمن في وقت إعدادها 71 عنصرًا.
2. جمهورية الكونغو الديمقراطية والكونغو: الرومبا الكونغولية
أُدرجت الرومبا الكونغولية ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية. وتصفها المادة بأنها نمط موسيقي ورقص يُستخدم في الأماكن الرسمية وغير الرسمية خلال الاحتفالات ومراسم الحداد، ويقوم أساسًا على رقص ثنائي بين رجل وامرأة. وينقل الفنانون الهواة والمحترفون هذه الممارسة إلى الأجيال التالية عبر أندية الأحياء ومدارس التدريب الرسمية ومنظمات المجتمع المحلي.
وتعد الرومبا جزءًا من الهوية الكونغولية ووسيلة لتعزيز التماسك والتضامن بين الأجيال. وتؤكد اليونسكو إدراج «الرومبا الكونغولية» على القائمة التمثيلية عام 2021 باعتبارها تراثًا مشتركًا بين جمهورية الكونغو الديمقراطية والكونغو.
3. سيشيل: رقصة الموتيا
جلب الأفارقة المستعبدون الذين وصلوا إلى سيشيل مع المستوطنين الفرنسيين رقصة الموتيا في مطلع القرن الثامن عشر. وتصف المادة الرقصة بأنها تقوم على حركات بسيطة وتؤدى عادة في حلقة تحيط بمشعل نار على إيقاع الطبول. وقد وفرت، عبر الزمن، وسيلة للراحة النفسية في مواجهة المعاناة، كما ارتبطت بمقاومة الظلم الاجتماعي.
وتوارثت المجتمعات رقصة الموتيا عبر الأداء والملاحظة والتقليد، إلى جانب وسائل رسمية تشمل البحث والتوثيق والنشر. وتؤكد اليونسكو أن الموتيا أُدرجت في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية عام 2021، وأنها ارتبطت تاريخيًا بالراحة النفسية ومقاومة العبودية والظلم الاجتماعي.
4. مدغشقر: الكباري الملغاشي
«الكباري» الملغاشي هو حوار شعري يلقى أمام الجمهور، ويتميز بالتنظيم المحكم واستخدام الأمثال والحكم والصور البلاغية والتلاعب بالألفاظ. وكان يستخدم في الأصل للتواصل بين القادة والسكان المحليين، ثم أصبح جزءًا من الحياة الاجتماعية في مدغشقر، حيث يستخدم في الاحتفالات والجنائز والمراسم والمناسبات الشعبية.
وتنتقل ممارسة الكباري بطرق رسمية وغير رسمية من خلال الملاحظة، وتتطلب وجود خطيبين أمام الجمهور، وقد تمتد عدة ساعات بحسب طبيعة المناسبة. وتؤكد اليونسكو إدراج «Malagasy Kabary, the Malagasy oratorical art» ضمن القائمة التمثيلية عام 2021.
5. السنغال: الشيبوتجن
يمثل «الشيبوتجن» طبقًا بارزًا في المطبخ السنغالي، وتختلف وصفات إعداده من منطقة إلى أخرى. وتذكر المادة أن مكوناته المعتادة تشمل شرائح السمك والأرز المكسور والأسماك المجففة والرخويات والخضروات الموسمية، ومنها البصل والبقدونس والجزر والباذنجان والملفوف الأبيض والبفرة والبطاطا الحلوة والبامية وورق الغار.
وتنتقل وصفات الطبق وتقنيات إعداده عادة من الأمهات إلى الفتيات، بينما تتناوله معظم الأسر بالأيدي، في حين تستخدم الملاعق أو الشوك في المطاعم. وبسبب قيمته بوصفه وعاءً ثقافيًا يؤكد الهوية السنغالية، أصبح الشيبوتجن طبقًا وطنيًا في السنغال.
وقد أدرجت اليونسكو «Ceebu Jën, a culinary art of Senegal» في القائمة التمثيلية عام 2021.
6. المغرب: التبوريدة
تمثل التبوريدة أحد فنون الفروسية المغربية العريقة، ويرجع تاريخها، وفق المادة، إلى القرن السادس عشر. وتحاكي عروضها مناورات عسكرية وفق شعائر وقواعد موروثة تعود إلى الأجداد العرب والأمازيغ.
وتؤدي فرق الخيالة عروضًا تتضمن مناورات بالبنادق، ثم تصطف عند نقطة الانطلاق في مشهد يحاكي الاستعداد للحرب. ويرتدي الفرسان أزياء وإكسسوارات تقليدية تعبر عن قبائلهم ومناطقهم، كما تُجهز الخيول بمعدات تقليدية. وينتقل هذا التراث بين المغاربة من جيل إلى آخر داخل العائلات، عبر التقاليد الشفوية والملاحظة.
وأدرجت اليونسكو «Tbourida» ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية عام 2021.
7. تجربة كينيا: صون الممارسات التقليدية لإعداد الطعام
لا تقتصر حماية التراث غير المادي على إدراج العناصر في القوائم، بل تشمل أيضًا تطوير ممارسات عملية للصون. وتقدم المادة تجربة كينيا في مجال الأطعمة التقليدية بوصفها نموذجًا على ذلك.
كانت الطرق التقليدية لإعداد الطعام في كينيا تواجه خطر الاندثار، في وقت رأت فيه السلطات أن تدهور التنوع والمعارف الغذائية قد تكون له تداعيات على الصحة وانعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية. وفي عام 2007، التزمت كينيا بحماية الممارسات ذات الصلة وأطلقت مبادرتين رئيسيتين بالتعاون مع العلماء والمجتمعات المحلية. ركزت المبادرة الأولى على جرد الأطعمة التقليدية وتحديد استخداماتها، بينما عملت المبادرة الثانية مع المدارس الابتدائية على تحديد وجرد الطرق التقليدية لإعداد الطعام. وأفضت المبادرتان إلى قيام مؤسسات محلية بأنشطة مستقلة في هذا المجال.
ويمثل سجل ممارسات الصون الجيدة آلية لتبادل التجارب والأمثلة الناجحة بين الدول الأطراف والمجتمعات المحلية والجهات المعنية، ولا سيما بشأن كيفية التغلب على التحديات المرتبطة بنقل التراث الحي وممارساته والمعارف المتصلة به إلى الأجيال المقبلة. وتشير المادة إلى أن السجل كان يتضمن في وقت إعدادها 29 ممارسة جيدة.
v التحليل والدلالات
تكشف المادة أن التراث الثقافي غير المادي لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد مجموعة من العادات أو الممارسات التقليدية المنفصلة عن السياسة والأمن والتنمية. ففي البيئات التي تشهد صراعات، يمكن أن يتحول استهداف عناصر التراث إلى أداة لضرب الذاكرة الجماعية وإضعاف الروابط الاجتماعية ومحاولة إعادة تشكيل هوية الجماعات.
كما أن طبيعة التراث غير المادي تجعل حمايته مختلفة عن حماية المباني والمواقع الأثرية؛ فهو يعيش من خلال الممارسة والنقل والتعلم وإعادة الإنتاج داخل المجتمع. لذلك فإن فقدان حاملي المعرفة والممارسين، أو تفكك المجتمعات نتيجة الحرب والتهجير، قد يهدد استمرارية التراث حتى عندما لا يتعرض أي موقع مادي للتدمير المباشر.
وتبرز هنا أهمية المقاربة التي تبنتها اتفاقية 2003، والتي تجعل المجتمعات والمجموعات والأفراد عناصر فاعلة في تحديد التراث وصونه ونقله. كما أن الأمثلة الأفريقية الواردة في المادة تظهر أن الهوية الثقافية يمكن أن تتجسد في آلة موسيقية، أو رقصة، أو فن خطابي، أو طبق تقليدي، أو ممارسة فروسية، أو معرفة غذائية؛ أي أن حماية الهوية لا ترتبط فقط بحماية المباني والآثار.
ومن ناحية أخرى، تشير تجربة كينيا إلى أن صون التراث يمكن أن يتقاطع مباشرة مع قضايا التنمية والصحة والأمن الغذائي والتعليم. وهذا يعزز الحاجة إلى التعامل مع التراث غير المادي باعتباره أحد مكونات السياسات العامة، لا باعتباره ملفًا ثقافيًا منفصلًا عن باقي القطاعات.
v النتائج والدلالات الرئيسية
يمكن استخلاص عدد من الدلالات من المادة:
- استهداف التراث أصبح أحد أبعاد الصراعات الحديثة، ولا يقتصر على تدمير الممتلكات الثقافية المادية، بل يمتد إلى العناصر غير المادية المرتبطة بالهوية والذاكرة الجماعية.
- التراث غير المادي عنصر من عناصر التماسك الاجتماعي، إذ يسهم في نقل الهوية والمعرفة والقيم بين الأجيال وتعزيز الشعور بالاستمرارية.
- حماية التراث ينبغي أن تكون جزءًا من تحليل النزاعات، خصوصًا في البيئات التي تنشط فيها الجماعات المسلحة والمتطرفة.
- اتفاقية اليونسكو لعام 2003 أحدثت تحولًا في مقاربة الحماية من التركيز التقليدي على الخبراء والمؤسسات إلى تعزيز مشاركة المجتمعات والجماعات والأفراد.
- توجد علاقة مباشرة بين التراث غير المادي والتنمية المستدامة، رغم أن إدماجه في أطر التنمية الدولية ظل محدودًا مقارنة بحضور الثقافة بصورة عامة.
- تظهر التجارب الأفريقية تنوعًا واسعًا في أشكال التراث الحي، وتؤكد أن حماية الهوية الثقافية يمكن أن تتم من خلال الموسيقى والرقص والخطابة والطعام والفروسية والمعارف التقليدية.
- تظل المشاركة المحلية عنصرًا حاسمًا في استدامة الحماية، لأن استمرار التراث يعتمد أساسًا على انتقاله داخل المجتمعات وممارسته من قبل الأجيال الجديدة.
خاتمة
يكشف مسار التراث الثقافي غير المادي عن تحول في فهم العلاقة بين الثقافة والهوية والأمن والتنمية. فالعناصر غير المادية التي تنتقل بين الأجيال ليست مجرد بقايا من الماضي، وإنما مكونات حية تشارك في تشكيل هوية المجتمعات وتماسكها وقدرتها على الحفاظ على استمراريتها.
وتؤكد حالات الصراع التي تعرضت فيها المكتبات والمواقع والمعالم والممارسات الثقافية للتدمير أو النهب أن حماية التراث أصبحت جزءًا من مواجهة آثار النزاعات، وأن تجاهل هذا البعد قد يترك آثارًا ممتدة تتجاوز زمن الحرب نفسها. وفي المقابل، تقدم اتفاقية اليونسكو لعام 2003 إطارًا دوليًا يربط صون التراث باحترام حقوق الإنسان والتنوع الثقافي والتنمية المستدامة، ويمنح المجتمعات دورًا مركزيًا في حماية تراثها.
وتبرز التجارب الأفريقية الواردة في المادة أن صون التراث ليس عملية جامدة، بل مسارًا يعتمد على التعليم والتوثيق والممارسة ونقل المعرفة وتعزيز المشاركة المجتمعية. ومن ثم، فإن إدماج التراث الثقافي غير المادي في السياسات الثقافية والتنموية والأمنية وفي تحليل الصراعات يمثل مدخلًا ضروريًا لحماية الهوية الإنسانية وضمان انتقال هذا الإرث إلى الأجيال القادمة.


