تختتم العاصمة الغانية أكرا، اليوم الأحد 30 أغسطس/آب، فعاليات الدورة الثالثة والعشرين من معرض غانا الدولي للكتاب، الذي انطلقت أعماله في 27 أغسطس/آب بالمسرح الوطني، تحت شعار «تحويل مستقبل غانا من خلال الكتب». وجمعت الدورة ناشرين وكتّابًا ومؤسسات ثقافية وتعليمية، إلى جانب العاملين في صناعة الكتاب والمهتمين بالقراءة من داخل غانا وخارجها.
هذا العام، لم يكن الحديث عن الكتب منفصلًا عن القضايا التي تشغل قطاع التعليم والثقافة في غانا. فقد حضرت القراءة بوصفها قضية تتصل بالأطفال والشباب والتعليم، وكذلك بقدرة صناعة النشر على الاستمرار في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج وتغير طرق الوصول إلى المحتوى.
وخلال افتتاح المعرض، ركزت الكلمات الرسمية على أهمية إعادة القراءة إلى الحياة اليومية، وعدم حصرها في المدرسة أو في المناسبات الثقافية. وأكدت وزيرة السياحة والثقافة والفنون الإبداعية في غانا، أبلا دزيفا غومشي، أن تشجيع الأطفال والشباب على القراءة يمثل استثمارًا في مستقبل البلاد، لما تمنحه القراءة من قدرة على الفهم والتفكير والنظر إلى الأفكار والتجارب المختلفة.
أما رئيس معرض غانا الدولي للكتاب، إدوارد ياو أودزو، فربط المعرض بصورة أوسع بمستقبل غانا، مشيرًا إلى أهمية المعرفة والابتكار والإبداع في مسار التنمية. وبذلك بدا الكتاب حاضرًا في النقاش لا باعتباره منتجًا ثقافيًا فقط، وإنما باعتباره جزءًا من البيئة التي يتشكل فيها وعي الأجيال الجديدة.

أولًا: القراءة خارج قاعات المعرض
ولم تتوقف جهود المعرض عند قاعات المسرح الوطني. فقد وصلت إحدى مبادراته إلى سوق ماكولا في أكرا، حيث أطلق المنظمون حملة للقراءة تحت عنوان «القراءة مع الجميع». واختار القائمون على المبادرة السوق، بما يمثله من حركة يومية واسعة، للوصول إلى أشخاص لا يرتبط حضورهم عادة بالفعاليات الأدبية أو معارض الكتب.
في السوق، شارك التجار والعاملون والمتسوقون في أنشطة القراءة، وجرى الحديث معهم عن علاقتهم بالكتب وعن أهمية تشجيع الأطفال على القراءة. وكان الهدف واضحًا: أن تكون القراءة جزءًا من الحياة العادية، لا نشاطًا محصورًا في المدارس والمكتبات.

ثانيًا: الأطفال ومسابقات القراءة
وحصل الأطفال والطلاب على جانب مهم من برنامج الدورة من خلال إطلاق النسخة الأولى من مسابقة «Ghana Star Reader»، التي تهدف إلى تنمية مهارات القراءة والفهم والاستماع لدى المشاركين بالإنجليزية واللغات الغانية. كما تضمن البرنامج مبادرة «Reading with Champions»، التي تتيح للأطفال القراءة إلى جانب شخصيات معروفة في مجالات مختلفة، ثم الحديث معهم عن الكتب وتجاربهم.

ثالثًا: الكتاب وصناعة المحتوى والنشر
وشملت فعاليات المعرض أيضًا جلسات أدبية وورش عمل ومنتديات ومسابقات، إلى جانب لقاءات تجمع العاملين في صناعة النشر. وتناولت بعض الفعاليات مستقبل القراءة ومحو الأمية، بينما ناقشت أخرى العلاقة بين الكتاب والسينما وإمكان تحويل بعض الأعمال الأدبية إلى إنتاجات مرئية.
وفي خلفية هذه الأنشطة، تواجه صناعة النشر في غانا عددًا من الصعوبات، من بينها ارتفاع تكلفة إنتاج الكتب، والقرصنة، ومشكلات التمويل والتوزيع، فضلًا عن تراجع الإقبال على القراءة. وتضيف التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي تحديات جديدة إلى القطاع، بعدما تغيرت الطريقة التي ينتج بها المحتوى ويصل بها إلى الجمهور.

رابعًا: المعرض كمساحة لصناعة الكتاب والتواصل الدولي
ولهذا لا يبدو معرض غانا الدولي للكتاب مجرد سوق سنوية للكتب. فهو يجمع في مكان واحد المؤلفين والناشرين وبائعي الكتب والمكتبات والمؤسسات التعليمية والقراء، ويفتح أمامهم مساحة لمناقشة مستقبل صناعة الكتاب والبحث عن وسائل للوصول إلى جمهور أوسع.
كما تعكس المشاركة الدولية في دورة هذا العام رغبة في توسيع الصلات بين صناعة النشر الغانية والأسواق والقطاعات الثقافية في دول أخرى، مع حضور مشاركين من دول بينها المملكة المتحدة والولايات المتحدة وكندا والهند ونيجيريا وكينيا وجنوب أفريقيا.

خامسًا: ما بعد المعرض.. مستقبل القراءة
وبينما تقترب الدورة الثالثة والعشرون من نهايتها، تبدو الرسالة التي حملها المعرض هذا العام واضحة: مستقبل القراءة لا يتحدد بعدد الكتب المعروضة في المعارض، وإنما بمدى حضورها في حياة الناس. ومن سوق ماكولا إلى المدارس، ومن مسابقات الأطفال إلى لقاءات الناشرين، حاول المعرض أن ينقل الكتاب من رفوف المكتبات إلى مساحات الحياة اليومية.
وفي بلد يسعى إلى توسيع قاعدة القراءة ودعم صناعة النشر، يصبح السؤال الذي يتركه معرض هذا العام أبعد من موعد الدورة المقبلة: كيف يمكن الحفاظ على الاهتمام بالكتاب بعد انتهاء المعرض، وتحويل القراءة إلى عادة مستقرة لدى الأجيال الجديدة؟


