من التنظيم الشعائري إلى التنظيم المؤسسي : رؤية اجتماعية في المولد النبوي والأربعين الحسيني
فرح أحمد الحاج *
تثير التجمعات الدينية الكبرى سؤالاً يتجاوز الحكم الفقهي المباشر. ويتعلق هذا السؤال بكيفية تشكل الجماعة وتنظيمها. فالمناسبة الدينية لا تُمارَس في فراغ. تحيط بها المواكب والإنشاد والطعام والضيافة والنقل والخدمة والعمل التطوعي. كما تستدعي في الغالب شبكات أسرية ومحلية ومؤسسات أهلية ودينية. وتفتح دراسة هذه التجمعات مجالاً لفهم الطريقة التي تتحول بها الذاكرة الدينية إلى ممارسة جماعية. ثم تتحول هذه الممارسة إلى أدوار متكررة وشبكات اجتماعية.
ولا تقارن هذه الورقة بين المولد النبوي والأربعين الحسيني من حيث الشرعية الفقهية أو صحة الاعتقاد؛ فلكل منهما مرجعيته الدينية وذاكرته التاريخية الخاصة. وتنحصر المقارنة في سؤال اجتماعي محدد: كيف تنتج المناسبة الدينية أشكالاً من التنظيم والتطوع والضيافة؟ وكيف تختلف هذه الأشكال باختلاف البنية المكانية والطقسية للمناسبة؟
ولضبط هذا السؤال، تميز الورقة بين ثلاثة مستويات مترابطة: مستوى الذاكرة الدينية التي تمنح المناسبة معناها، ومستوى التجسيد الجماعي الذي يظهر في الموكب أو المسير أو الاحتفال والخدمة، ومستوى التنظيم الاجتماعي الذي يتكون حين تتكرر الأدوار والقواعد والشبكات وتصبح قابلة لإعادة الإنتاج عبر الزمن.
وتستند المقارنة إلى قوائم اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي، لا بوصفها عينة إحصائية شاملة، بل بوصفها ملفات توثيقية أتاحت وصفاً منهجياً لثلاث ممارسات: تقديم الخدمات والضيافة خلال زيارة الأربعين في العراق، والموكب والاحتفالات بمولد النبي محمد ﷺ في السودان، والمهرجانات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر.
الإطار المفاهيمي
يواجه كل من المولد النبوي والأربعين الحسيني، في سياقات محلية مختلفة، انتقادات متكررة تصف ما يُنفق خلالهما بأنه «هدر اقتصادي»، استناداً إلى حجم الموارد الموجهة للإطعام والضيافة والزينة والمواكب في مجتمعات تعاني أصلاً من شح الموارد. غير أن هذا النقد ينظر إلى الإنفاق الاحتفالي من زاوية اقتصادية ضيقة تقيسه بمعيار الاستهلاك والادخار النقدي المباشر، ولا تلتفت بالقدر نفسه إلى ما يمكن أن تتحول إليه هذه الموارد من أشكال أخرى لرأس المال.
ووفق مفهوم مارسيل موس عن «الهبة»، لا تنتهي العطايا الاحتفالية، من الطعام المجاني إلى استضافة الغرباء، بمجرد تقديمها؛ فهي تدخل في شبكة من الالتزامات الأخلاقية القائمة على العطاء والتلقي والرد، وتسهم مع الوقت في بناء الثقة وتقوية علاقات المعاملة داخل الجماعة. ويتقاطع هذا التصور مع ما طوره لاحقاً علماء الاجتماع حول «رأس المال الاجتماعي»، الذي يشير إلى الموارد المتولدة من الروابط والشبكات والقيم المشتركة، والذي يساعد الجماعات على العمل معاً ويخفف تكاليف التفاعل الاجتماعي. ومن هذه الزاوية، لا تبدو التجمعات الاحتفالية الكبرى مجرد لحظات استهلاك عابرة، بل مناسبات دورية لإعادة بناء بعض هذه الشبكات وتجديدها.
ويميز هذا الإطار بين رأس المال الاجتماعي الرابط، الذي يقوي العلاقات داخل الجماعة نفسها، ورأس المال الاجتماعي الجسري، الذي يصل بين جماعات وشبكات ومناطق مختلفة، مع الإقرار بأن النوعين يتداخلان في كل حالة بدرجات متفاوتة. وتظهر عوائد هذا التراكم في صور لا تدخل بسهولة في الحسابات الاقتصادية التقليدية، كالتماسك الأهلي وتخفيف الاستقطاب وإيجاد آليات للمساعدة المتبادلة تزداد أهميتها في أوقات الأزمات حين تعجز المؤسسات الرسمية عن تلبية جميع الاحتياجات.
ولا تتجاهل الورقة الأثر الاقتصادي المباشر لهذه المواسم؛ فتنشيط صناعات الحلوى والحرف اليدوية والنقل والضيافة والأسواق الشعبية يخلق حركة اقتصادية موسمية تستفيد منها شرائح مختلفة من المجتمع. غير أن إثبات حجم هذا الأثر يحتاج بيانات ميدانية مستقلة، ولذلك لا تسعى الورقة إلى إثبات ربحية الإنفاق الاحتفالي في كل الحالات، بل تكتفي بالقول إن وصف هذه النفقات كلها بأنها «هدر» وصف ناقص تحليلياً، لأنه يغفل الوظائف الاجتماعية والتنظيمية التي تنشأ حول المناسبة، ولا يلتقط بسهولة النشاط الجاري داخل الاقتصاد غير الرسمي أو قيمة العمل التطوعي.
وتقوم الفرضية المركزية للورقة على أن اختلاف البنية المكانية للمناسبة ينعكس في شكل التنظيم الاجتماعي المحيط بها: مسار جماعي متجه إلى مركز مقدس واحد في الأربعين، مقابل احتفالية متعددة المراكز ومتزامنة في المولد السوداني، مع استخدام الحالة المصرية لاختبار مرونة هذا التقسيم بوصفه طيفاً تحليلياً لا تصنيفاً مغلقاً.
المحور الأول: المولد النبوي في السودان -- التزامن وتعدد المراكز

تختلف البنية المكانية للمولد النبوي في السودان اختلافاً بيّناً عن نموذج الأربعين. فقد سجلت اليونسكو عام 2023 «الموكب والاحتفالات بمناسبة مولد النبي محمد ﷺ في السودان». ويبدأ الاحتفال، وفق ملف التسجيل، قبل المولد باثني عشر يوماً، ويشمل مواكب يشارك فيها الرجال والنساء والأطفال وقيادات المجتمع، وأناشيد دينية وصوفية ورقصات طقسية، ثم يتوج الاحتفال في ساحة المولد. كما تنتقل الممارسة داخل الأسر ودوائر الإنشاد وعبر المشاركة والتعليم، وهو ما يوضح أن استمرار المناسبة لا يعتمد فقط على تجمع المشاركين في لحظة معينة، وإنما على نقل الخبرة وإعادة إنتاجها اجتماعياً.
ويتمثل الفارق التحليلي الأساسي في أن المولد لا يقتضي من جميع المشاركين الانتقال إلى مركز مقدس واحد على طريقة المسير إلى كربلاء؛ فثمة مراكز احتفال محلية متعددة، ويمكن لجماعات مختلفة أن تمارس المناسبة في فضائها المحلي في توقيت ديني واحد. ولذلك يمكن وصف هذه البنية بأنها احتفالية متعددة المراكز، لا مسيراً طقسياً خطياً. ولا يعني تعدد المراكز غياب الحركة أو التنظيم، بل يعني أن وحدة المناسبة تتشكل من خلال التزامن والذاكرة المشتركة والطقوس المتشابهة، لا من خلال وصول جميع المشاركين إلى المكان نفسه. ويظهر في ملف اليونسكو السوداني أيضاً حضور مختلف الفئات الاجتماعية ودوائر الطرق الصوفية والباعة والحرفيين، بما يوضح أن المناسبة تعمل بوصفها فضاءً اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً إلى جانب بعدها التعبدي.

ويستحضر بندكت أندرسون هذا النوع من التزامن حين يربط تشكل الجماعات التخيلية بالتزامن الزمني الذي يتحقق عبر وسيط مشترك كالتقويم أو الإعلام، لا بالضرورة عبر اللقاء المكاني المباشر. ولا تستعير الورقة هذا المفهوم بمعناه الأصلي المرتبط بالقومية، بل تستفيد منه بصورة محدودة لفهم كيف يسهم التزامن الزمني في بناء إحساس بالانتماء حتى في غياب التجمع المكاني الواحد. ومن هنا يمكن فهم رأس المال الاجتماعي في نموذج المولد بوصفه أكثر ارتباطاً بتكرار العلاقات داخل المراكز المحلية، مع إمكانية تشكل روابط جسرية بين المدن والمجموعات المختلفة، دون أن يعني ذلك أن النموذج السوداني أقل جماعية من الأربعين، بل إن الجماعية تُنتَج فيه بآلية مكانية مختلفة: التزامن الاحتفالي مقابل المسير المشترك.
المحور الثاني: زيارة الأربعين -- من الذاكرة إلى المسير

تأتي زيارة الأربعين في سياق الذاكرة الشيعية المرتبطة باستشهاد الإمام الحسين بن علي في كربلاء يوم العاشر من محرم سنة 61 هـ، ثم حلول اليوم العشرين من صفر بوصفه اليوم الأربعين للواقعة. وقد صارت هذه الزيارة الدورية، وفي مقدمتها المشي إلى كربلاء في العصر الحديث، أحد أبرز أشكالها الجماعية، بحيث لم يعد ممكناً فهمها من خلال لحظة الوصول وحدها؛ فالمسير نفسه تحول إلى جزء من التجربة الدينية والاجتماعية، وأصبحت الخدمات الممتدة على طول الطريق عنصراً أساسياً في بنية المناسبة.
ويتصل أصل الزيارة في الذاكرة الشيعية بمستويين. يخص الأول زيارة الصحابي جابر بن عبد الله الأنصاري وعطية العوفي لقبر الإمام الحسين في العشرين من صفر، وهي رواية مبكرة ينسب إليها الشيخ الطوسي في مصباح المتهجد استحباب الزيارة في هذا اليوم، ويوردها ابن طاووس كذلك في إقبال الأعمال. أما المستوى الثاني فيتعلق بالرواية المتداولة في السردية الحسينية حول عودة سبايا أهل البيت من الشام ومرورهم بكربلاء في اليوم نفسه ولقائهم بجابر، وهي رواية تمنح الزيارة معنى إضافياً يتمثل في عودة أهل البيت إلى موضع المأساة ومواجهة أثرها بالذكر والرثاء.
ويستوجب العرض الأكاديمي هنا التمييز بين حضور هذه الرواية في الذاكرة الدينية وبين إثباتها واقعة تاريخية متفقاً عليها. فتوقيت عودة السبايا إلى كربلاء في العشرين من صفر محل نقاش داخل المدرسة الشيعية نفسها، لا خارجها. فقد خصص السيد محمد علي قاضي الطباطبائي كتاباً كاملاً للدفاع عن تاريخية هذه العودة وتحقيقها سنداً وتاريخاً، في حين ذهب الشهيد مرتضى مطهري إلى أن الرواية لا ترد إلا في اللهوف لابن طاووس دون أن يذكر لها مصدراً مسنداً، وهو ما جعله يتحفظ عليها بوصفها واقعة تاريخية ثابتة ويمثل هذا الخلاف بين محققين بارزين في المدرسة الشيعية نفسها شاهداً على أن التمييز بين الذاكرة الدينية والحقيقة التاريخية النقدية ليس مطعناً خارجياً في الشعيرة، بل جزء من تقليد نقدي داخلي حرص عليه علماء الحديث الشيعة أنفسهم، كما يظهر في جهد المحدث النوري في تمحيص الروايات وتصنيفها سنداً. ولذلك تُعرض هذه الرواية في هذه الورقة باعتبارها ركيزة في الذاكرة الحسينية تمنح الزيارة دلالتها، لا باعتبارها واقعة تاريخية محسومة بلا خلاف؛ وهذا التمييز لا ينتقص من مكانتها في الذاكرة الجمعية، بل يحفظ للمرويات الحسينية الشفوية والمنبرية أهميتها بوصفها مادة لدراسة الذاكرة الدينية، مع ضرورة الفصل بينها وبين المصادر التاريخية النقدية.

وتتميز زيارة الأربعين في صورتها المعاصرة ببنية جغرافية ذات مركز واضح هو كربلاء، تنتهي إليه مسارات قادمة من مناطق متعددة. وتصف اليونسكو الممارسة بوصفها تجمعاً تنطلق فيه مواكب الزائرين من وسط العراق وجنوبه وتتجه نحو كربلاء، مع انتشار الخدمات على طرق الزيارة. ومن منظور علم اجتماع الطقوس، لا يكون المسير مجرد وسيلة للانتقال، بل يتحول إلى حيز اجتماعي كثيف تتجاور فيه الحركة والتعبد والضيافة والتعارف والعمل التطوعي.
ووفق نموذج فان جنيب وتيرنر لمراحل الطقس، أي الانفصال والمرحلة الحدّية والاندماج، لا ترتبط «العتبة» في حالة الأربعين بلحظة الوصول إلى كربلاء وحدها، بل يصبح الطريق نفسه جزءاً من الحالة الطقسية. وهنا يقدم مفهوم تيرنر عن «الاندماج الجماعي» (Communitas) أداة تفسيرية أدق لفهم ما يجري على طول المسير. فالحالة الحدّية، بحسب تيرنر، تعلّق مؤقتاً البنية الاجتماعية المعتادة بمراتبها ووظائفها، وتُحل محلها رابطة إنسانية متساوية غير مبنية على التراتب. وهذا بالضبط ما يظهر في مشهد المشاة نحو كربلاء: يمشي الطبيب إلى جانب الفلاح، ويقدم صاحب المال الخدمة لمن لا يملك شيئاً، وتُغسل الأقدام وتُقدَّم الأسرّة والطعام دون اعتبار للمكانة الاجتماعية أو المهنة أو حتى الجنسية. فالخدمة والمشاة يعملان معاً على تعليق التمايز الطبقي المعتاد طوال أيام المسير، بحيث يصبح الطريق ذاته، لا كربلاء وحدها، حيّزاً للمساواة المؤقتة التي وصفها تيرنر بأنها سمة الحالة الحدّية في الطقوس الجماعية الكبرى. ولا تزول هذه المساواة المؤقتة بانتهاء المسير، إذ تترك أثراً في الذاكرة الجماعية يُعاد استحضاره واختباره في كل موسم.
وتنشأ هنا علاقة واضحة بين المركز والمحيط: كربلاء نقطة الجذب الرمزية، بينما تنتشر على المسارات حلقات من الخدمة والضيافة تعمل بوصفها مؤسسات وسيطة تنتج رأس المال الاجتماعي بصورة متتابعة؛ إذ يمثل كل موكب خدمي حلقة في سلسلة أوسع تربط قرى ومدناً ومجتمعات متعددة بنقطة وصول واحدة. ومن ثم يمكن الحديث عن رأس مال اجتماعي جسري عابر للمناطق، مع بقاء رأس المال الرابط داخل كل عائلة أو موكب أو جمعية.
وقد سجلت اليونسكو في العراق عام 2019 «تقديم الخدمات والضيافة خلال زيارة الأربعين»، لا «الأربعين» بوصفها عقيدة أو شعيرة في ذاتها. وتشمل الممارسة المطابخ التطوعية، وتقديم الماء والطعام، وإقامة مرافق مؤقتة، وفتح المنازل للزائرين، والفرق الطبية والمرشدين والمتبرعين. وتكمن أهمية هذا التسجيل في أن اللجنة الدولية وصفت الممارسة بأنها مؤسسة اجتماعية مرتبطة بحدث ديني، وأشارت إلى دورها في التقارب بين الثقافات والجنسيات والتكافل وإعادة توزيع الثروة. وبذلك تصبح الأربعين نموذجاً واضحاً للانتقال من الشعيرة إلى المؤسسة الاجتماعية: الذاكرة تنتج المشاركة، والمشاركة المتكررة تنتج أدواراً، والأدوار المتكررة تنتج شبكات مستقرة نسبياً.
ويساعد هذا الاختلاف البنيوي على تفسير جزئي لاختلاف طبيعة العنصر الموثق دولياً بين الملفين. فحين يرتبط جانب أساسي من الظاهرة بخدمة مسار طويل يصل بين نقاط متعددة وينتهي عند نقطة وصول واحدة، كما في الأربعين، يصبح مفهوماً أن تتجه صياغة اليونسكو نحو «الخدمة والضيافة» بوصفهما العنصر الموثق والمصان. ولا ينبغي تحويل هذه الملاحظة إلى علاقة سببية مثبتة؛ فاليونسكو لم تقل إن البنية الخطية للأربعين هي التي أدت إلى اختيار الخدمات موضوعاً للتسجيل، وإنما تقترح الورقة أن اختلاف طبيعة العنصر الموثق يمكن قراءته جزئياً في ضوء الاختلاف البنيوي بين الممارستين.
المحور الثالث: مصر -- المهرجانات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة

تدخل الحالة المصرية في المقارنة بوصفها حالة مركّبة لها خصوصيتها. فقد أدرجت اليونسكو عام 2022 «المهرجانات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر»، وهي ممارسة تجمع احتفالات محلية وحركة زوار وخدمات تطوعية وتبادل هدايا، مع مشاركة مشتركة بين المسلمين والأقباط. وتشير وثيقة التسجيل إلى أن السكان المحليين يقدمون هذه الخدمات للزوار في مواقع مرتبطة بمسار العائلة المقدسة، بما يجعل الحالة المصرية مفيدة في فهم صورة مختلفة من صور التجمع الديني والثقافي تجمع بين الحركة والاحتفال والخدمة معاً.
وتكشف هذه الحالة أن المناسبة الواحدة قد تجمع بين أكثر من نمط تنظيمي: مركز احتفالي محلي، وحركة للزوار بين المواقع، وخدمات وضيافة، وتفاعل بين جماعتين دينيتين مختلفتين. ومن هنا لا تُقرأ الحالة المصرية بوصفها «نقطة وسطى» حرفية بين الأربعين والمولد، بل بوصفها اختباراً لصلابة الثنائية المقترحة؛ إذ تُظهر أن خصائص المركزية والحركة والتزامن والتطوع يمكن أن تجتمع بدرجات متفاوتة داخل المناسبة نفسها. وبذلك يصبح التمييز بين «متعدد المراكز» و«مسيري» طيفاً تحليلياً يمكن أن تتوزع عليه الحالات بحسب درجة مركزية الحج أو الزيارة، ودرجة الحركة الجماعية، ودرجة تزامن الاحتفال، ومدى استقرار شبكات الخدمة والتطوع، لا تصنيفاً مغلقاً ثنائياً.

وتضيف الحالة المصرية بعداً يتعلق بالتعايش والمشاركة العابرة للانتماءات الدينية، إذ تكشف أن إنتاج العلاقات الاجتماعية لا يتوقف على وحدة المرجعية الدينية وحدها، بل يمكن أن يرتبط أيضاً بالمشاركة المتكررة في تقليد ثقافي مشترك، وبالخدمة والتفاعل والذاكرة الجمعية بين جماعات مختلفة.
المناقشة المقارنة: من الممارسة الدينية إلى المؤسسة الاجتماعية
يمكن اختبار مدى صلابة النموذج التفسيري المقترح بتوسيع المقارنة الثنائية إلى مقارنة ثلاثية، تضيف الحالة المصرية إلى جانب المولد السوداني والأربعين العراقي. ومهما اختلف موقع كل حالة على طيف «متعدد المراكز/مسيري»، تبقى خلاصة نظرية مشتركة قابلة للاختبار عبر الحالات الثلاث: انتقال الممارسة الدينية الجماعية من كونها حدثاً متكرراً إلى كونها إطاراً اجتماعياً ينظم التطوع والتضامن ويحافظ على التراث وينقل الخبرة. ولا يبدو هذا التحول محصوراً في مذهب أو ملة بعينها؛ فالشواهد الثلاثة الموثقة دولياً في السودان والعراق ومصر تقدم أمثلة مختلفة على قدرة المناسبة الدينية على إنتاج أنماط من التنظيم الاجتماعي تتجاوز حدود الممارسة التعبدية المباشرة، رغم اختلاف المرجعيات العقدية لكل حالة.
ويمكن تفسير اللحظة التي تنتقل فيها الممارسة الدينية من مناسبة متكررة إلى مؤسسة اجتماعية عبر أربعة مستويات مترابطة. تبدأ العملية بالذاكرة المشتركة، وهي القصة أو الرمز الذي يمنح المشاركة معنى يتجاوز الفعل نفسه: ذكرى المولد النبوي في حالة السودان، وذكرى استشهاد الإمام الحسين وزيارته في حالة العراق. ثم يأتي التجسيد الجماعي، حين لا تبقى الذاكرة في المجال الذهني، بل تتحول إلى موكب ومسير وطعام وإنشاد وخدمة وتجمعات بشرية. ويليه التكرار، إذ تبدأ الخبرة بالتراكم كلما تكررت المناسبة دورياً، فيعرف الناس ما يحتاجه الحدث ومن يقوم بأي دور. وأخيراً يظهر التنظيم الاجتماعي، حين تتراكم الخبرة فتتشكل أدوار وشبكات وقواعد أكثر استقراراً، وهنا تقترب المناسبة من مفهوم المؤسسة الاجتماعية.
ويمكن تمثيل هذا المسار بصيغة موجزة: الذاكرة الدينية تفضي إلى الممارسة الجماعية، فالتكرار، فالتنظيم، فالتطوع والشبكات الاجتماعية، وصولاً إلى رأس المال الاجتماعي ثم المؤسسة المجتمعية. ولا ينبغي فهم هذا التسلسل قانوناً اجتماعياً حتمياً؛ فليست كل ممارسة دينية قابلة بالضرورة للتحول إلى مؤسسة، وإنما يحدث ذلك حين تتراكم حولها أدوار وموارد وخبرات وقواعد للتعاون.
حدود المقارنة وآفاق البحث
تحتاج هذه المقارنة إلى الاعتراف بحدودها، لأن المولد والأربعين ليسا ظاهرتين متماثلتين في المرجعية أو التاريخ أو الطقس. أول هذه الحدود أن المقارنة لا تضع المناسبة السنية والصوفية والمناسبة الشيعية في إطار عقائدي واحد؛ فالاختلاف في المعنى الديني والتاريخي أساسي ولا يمكن تجاوزه. وثانيها أن تسجيل اليونسكو لا يمثل عينة إحصائية من المناسبات الدينية في العالم الإسلامي، بل عناصر اختارتها الدول والمجتمعات المعنية للتسجيل وفق آليات اتفاقية التراث الثقافي غير المادي.
وثالث هذه الحدود أن الأدلة المتاحة لا تسمح بقياس حجم رأس المال الاجتماعي كمياً، ولا بإثبات علاقة سببية مباشرة بين الاحتفال والتماسك الاجتماعي؛ وما تقدمه الورقة إطار تفسيري قابل للاختبار عبر دراسات ميدانية لاحقة. ورابعها أن الحكم على الإنفاق الاحتفالي بـ«الهدر» أو «المنفعة» لا يُحسم نظرياً وحده، إذ يحتاج إثبات أي أثر اقتصادي إلى بيانات عن حجم الإنفاق والعمالة والأسواق والنقل والقيمة النقدية للعمل التطوعي. وهذه الحدود لا تُضعف الورقة، بل تحدد مجالها بدقة بوصفها دراسة سوسيولوجية-أنثروبولوجيا مقارنة، لا دراسة اقتصادية كمية ولا دراسة فقهية.
ختام
تقترح هذه الورقة أن النظر إلى المولد النبوي والأربعين الحسيني بوصفهما ظاهرتين اجتماعيتين قابلتين للدراسة المقارنة يفتح مجالاً أوسع للفهم من اختزالهما في سؤال فقهي ثنائي، أو في الحكم عليهما من خلال مفهوم «الهدر الاقتصادي» وحده. فالمقاربة السوسيولوجية تتيح النظر إلى ما يحدث حول هذه المناسبات جزءاً من عمليات اجتماعية أوسع، تتصل ببناء السلم الأهلي وحماية التراث الثقافي غير المادي وتنشيط بعض أشكال الاقتصاد المحلي الموسمي، والاستفادة من رأس المال الاجتماعي الذي يتراكم داخل هذه التجمعات وتعيد المناسبة تنشيطه دورياً.
وقد أظهرت المقارنة أن المناسبات الدينية الجماعية لا تنتج شكلاً واحداً من التنظيم الاجتماعي. ففي حالة الأربعين يرتبط جانب مهم من التنظيم بالحركة المشتركة نحو مركز مقدس وبشبكة الخدمات المنتشرة على مسارات الزيارة، بينما يبرز في نموذج المولد السوداني الموكب والاحتفال الجماعي داخل مراكز محلية متزامنة. ولا ينبغي فهم ذلك انقساماً حاداً بين نموذجين، بل اختلافاً في درجات المركزية والحركة والتزامن وطريقة تنظيم الخدمة. وتكشف الحالة المصرية بدورها أن الحدود بين هذه الأنماط ليست صلبة؛ فالمهرجانات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة تجمع بين الاحتفال والحركة والخدمة والتطوع والتبادل الاجتماعي، بما يشير إلى أن المناسبة الدينية يمكن أن تحمل أكثر من نمط تنظيمي في الوقت نفسه.
ولا يعني ذلك تجاهل الاختلافات العميقة بين ذكرى المولد وذكرى الاستشهاد؛ فالمرجعية العقدية والدلالة التاريخية لكل منهما مختلفة بوضوح. لكن هذا الاختلاف لا يمنع وجود سؤال اجتماعي مشترك: كيف يبحث الإنسان عن الانتماء إلى كيان يتجاوز ذاته، وكيف يعيد، من خلال الضيافة والتضامن والمشاركة الجماعية، بناء الروابط التي تصل أفراد المجتمع بعضهم ببعض؟ ومن هذه الزاوية تحديداً تصبح هذه المناسبات موضوعاً أصيلاً لعلم اجتماع الدين المقارن، لا استثناءً محصوراً في الجدل الفقهي، بل ظاهرة اجتماعية تكشف، في لحظات جماعية كثيفة، عن الطريقة التي تتشكل بها الجماعة وتحافظ على ذاكرتها وتنقل خبراتها وتعيد إنتاج روابطها الداخلية.وبذلك يمكن إيجاز النتيجة الأساسية للورقة في عبارة واحدة: المناسبة الدينية لا تتحول إلى مؤسسة اجتماعية لأنها تجمع الناس فحسب، بل لأنها، مع مرور الزمن، تخلق حول الذاكرة المشتركة منظومة من الأدوار والشبكات والتطوع والموارد يُعاد إنتاجها من جيل إلى آخر .
المراجع
Mauss, Marcel. Essai sur le don: forme et raison de l'échange dans les sociétés archaïques. L'Année sociologique 1 (1925): 35–95.
Bourdieu, Pierre. “The Forms of Capital.” In Handbook of Theory and Research for the Sociology of Education, edited by John G. Richardson, 241–58. New York: Greenwood Press, 1986.
Putnam, Robert D. Bowling Alone: The Collapse and Revival of American Community. New York: Simon & Schuster, 2000.
الطوسي، أبو جعفر. مصباح المتهجد وسلاح المتعبد. بيروت: مؤسسة فقه الشيعة، 1411هـ.
ابن طاووس، علي بن موسى. إقبال الأعمال بصلاح الأعمال. طهران: دار الكتب الإسلامية، 1409هـ.
طباطبائي، محمد علي قاضي. تحقيق درباره اولين اربعين حضرت سیدالشهداء [بحث حول أول أربعين للإمام الحسين]. طهران: مكتبة الصدر، 1341ش.
مطهري، مرتضى. الملحمة الحسينية. ترجمة عربية. بيروت: دار التعارف، د.ت.
النوري الطبرسي، حسين. مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل. قم: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، 1408هـ.
UNESCO. “Provision of Services and Hospitality during the Arba’in Visitation.” Representative List of the Intangible Cultural Heritage of Humanity, no. 01474. Paris: UNESCO, 2019.
Van Gennep, Arnold. Les rites de passage. Paris: Émile Nourry, 1909.
Turner, Victor. The Ritual Process: Structure and Anti-Structure. Chicago: Aldine, 1969.
UNESCO. “Procession and Celebrations of Prophet Mohammed’s Birthday in Sudan.” Representative List of the Intangible Cultural Heritage of Humanity, no. 01896. Paris: UNESCO, 2023.
Mabrur, Muhamad Shofwan, Ahmad Dou, and M. Bintang Fadhlurrahman. “The Mawlid Tradition of Muhammad in Sudan.” IBDA’: Jurnal Kajian Islam dan Budaya 21, no. 2 (2023): https://doi.org/10.24090/ibda.v21i2.7153.
Anderson, Benedict. Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism. Rev. ed. London: Verso, 1991.
UNESCO. “Festivals Related to the Journey of the Holy Family in Egypt.” Representative List of the Intangible Cultural Heritage of Humanity, no. 01700. Paris: UNESCO, 2022.
Husein, UmmeSalma Mujtaba. “A Phenomenological Study of Arbaeen Foot Pilgrimage in Iraq.” Tourism Management Perspectives 26 (2018): 9–19. https://doi.org/10.1016/j.tmp.2017.11.015.
Nikjoo, Adel, Neda Razavizadeh, and Michael A. Di Giovine. “What Draws Shia Muslims to an Insecure Pilgrimage? The Iranian Journey to Arbaeen, Iraq during the Presence of ISIS.” Journal of Tourism and Cultural Change 19, no. 5 (2021): 606–27.
* فرح أحمد الحاج : طالبة ترجمة و باحثة مساعدة , جامعة القاهرة


