من معاهدة أبوجا إلى الواقع الراهن منذ توقيع معاهدة أبوجا المُنشئة للجماعة الاقتصادية الإفريقية عام 1991، والتي دخلت حيز النفاذ عام 1994، التزمت الدول الأعضاء في منظمة الوحدة الإفريقية - التي آلت لاحقًا إلى الاتحاد الإفريقي - بالعمل التدريجي على إزالة العوائق أمام حركة الأشخاص والسلع ورؤوس الأموال بوصفها شرطًا لقيام سوق مشتركة قارية. غير أن حرية تنقل الأشخاص ظلت، على مدى ثلاثة عقود، الحلقة الأضعف في مسار التكامل، مقارنة بالتقدم الذي أُحرز في مجالي التجارة والاستثمار.
تجسد هذا الطموح مؤسسيًا في "أجندة 2063" التي تبنّاها الاتحاد الإفريقي عام 2013، وفي إطلاق "الجواز الإفريقي المشترك" عام 2016 كرمزية لهوية قارية، ثم بلغ ذروته القانونية في اعتماد "بروتوكول حرية حركة الأشخاص وحق الإقامة وحق التأسيس" في يناير 2018 بأديس أبابا، الملحق بمعاهدة الجماعة الاقتصادية الإفريقية.
بيد أن مسار التنفيذ يكشف عن تباين واضح بين الالتزام القاري والممارسة الوطنية. فبينما دخلت اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA) حيز التنفيذ الفعلي وصادقت عليها الغالبية العظمى من الدول الأعضاء، لا يزال بروتوكول حرية الحركة - حتى منتصف عام 2026 - بعيدًا عن دخول حيز النفاذ؛ إذ لم يصادق عليه سوى أربع دول فقط هي رواندا والنيجر ومالي وساوتومي وبرينسيب، من أصل خمس عشرة مصادقة يشترطها البروتوكول لسريانه (Free Move Hub, 2024؛ ECOWAS Parliament, 2026). ويزيد من تعقيد المشهد انسحاب مالي والنيجر - وهما من الدول المصادقة أصلًا - من الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (ECOWAS) عام 2024 وتأسيسهما مع بوركينا فاسو تحالف دول الساحل (AES)، وهو ما يهدد مكتسبات التكامل الإقليمي في غرب إفريقيا (Africa Visa Openness Report, 2024).
في ظل هذا الفراغ المؤسسي، لجأت مجموعة من الدول إلى مبادرات وطنية أحادية لفتح حدودها أمام المواطنين الأفارقة، بمعزل عن الإطار القاري الملزم. ويكشف "مؤشر انفتاح التأشيرات الإفريقي" (Africa Visa Openness Index - AVOI) الصادر بالشراكة بين البنك الإفريقي للتنمية ومفوضية الاتحاد الإفريقي عن اتساع تدريجي في هذا التوجه، وإن ظل جزئيًا ومتفاوتًا بين الدول. يهدف هذا المقال إلى تحليل هذه الظاهرة في ضوء الأدبيات الأكاديمية الإفريقية المتخصصة، وتقييمها بوصفها خطوة عملية - وإن كانت منقوصة - نحو التكامل القاري.
الإطار القانوني والمؤسسي لحرية الحركة يرى الباحث أديولا (Adeola, 2019) أن اعتماد بروتوكول 2018 جاء استجابة قارية لتصاعد ظواهر الهجرة البينية، وفي إطار محاولة الاتحاد الإفريقي صياغة "هوية إفريقية مشتركة" تتجاوز الحدود الموروثة عن الاستعمار. وقد ربطت أجندة 2063 صراحة بين إلغاء متطلبات التأشيرة للمواطنين الأفارقة داخل بلدانهم وبين تعميق التكامل الاقتصادي والسياسي للقارة.
يتبنى البروتوكول مقاربة تدرجية من ثلاث مراحل متعاقبة: الدخول بدون تأشيرة، ثم حق الإقامة، وأخيرًا حق التأسيس والعمل. غير أن بطء وتيرة التصديق يُعزى، وفق دراسات صادرة عن اللجنة الاقتصادية لإفريقيا التابعة للأمم المتحدة ومفوضية الاتحاد الإفريقي (ECA & AUC, 2023)، إلى محددات مركبة تتصل بالاعتبارات الأمنية وضبط الحدود، إلى جانب مخاوف من الاختلالات الاقتصادية الناجمة عن تفاوت مستويات التنمية بين الدول الأعضاء.
وتشير أموخوبو (Amukhobu)، منسقة برنامج حرية الحركة في مفوضية الاتحاد الإفريقي، إلى ضرورة تبني "نهج أكثر شمولًا يُشرك وزارات العمل والهجرة والتعليم والتجارة" في حوكمة ملف التنقل، بما يتجاوز الطابع القطاعي الضيق الذي ميّز التعامل معه حتى الآن.
الدول الرائدة في الانفتاح الحدودي: قراءة نقدية في بيانات 2024-2026 يقتضي التحليل الدقيق التمييز بين مستويين من "الانفتاح": الانفتاح الكامل بدون تأشيرة لجميع المواطنين الأفارقة من جهة، وتيسير الدخول عبر التأشيرة الإلكترونية أو التأشيرة عند الوصول من جهة أخرى، وهو تمييز أغفلته بعض الأدبيات الصحفية التي أوردت رقم "تسع دول" دون تحديد واضح لمعيار التصنيف.
وفق أحدث نسخة من مؤشر انفتاح التأشيرات الإفريقي لعام 2024، لا يتجاوز عدد "الدول الرائدة" التي تمنح دخولًا بلا تأشيرة لجميع المواطنين الأفارقة أربع دول فقط، هي: بنين وغامبيا ورواندا وسيشل، وهي الدول ذاتها التي تصدرت الترتيب في النسخة السابقة للمؤشر (AfDB & AUC, 2024). أما غانا وكينيا وتوغو، رغم تصدرها العشرين الأوائل على المؤشر، فتعتمد بشكل رئيس على أنظمة التأشيرة الإلكترونية أو التأشيرة عند الوصول، وهو ما يمنحها تصنيفًا مرتفعًا على المؤشر دون أن يرقى إلى مستوى الإلغاء الكامل لشرط التأشيرة.
من الناحية البنيوية، يمكن تصنيف الدول ذات الأداء المتقدم في ثلاث مجموعات: أولًا، دول الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (ECOWAS) - بنين وغامبيا وغانا وتوغو - التي تستفيد من إرث بروتوكول التنقل الإقليمي المعتمد منذ عام 1979، والذي لا يزال يحقق أعلى متوسط انفتاح إقليمي رغم التصدعات الأخيرة الناجمة عن انسحاب دول الساحل (AVOI, 2024). ثانيًا، دولتا جماعة شرق إفريقيا (EAC) - رواندا وكينيا - إذ تُعد رواندا من أوائل الدول المصادقة على البروتوكول القاري، فيما اعتمدت كينيا سياسات وطنية أحادية مشابهة (نظام تصريح السفر الإلكتروني ETA) دون أن تُقدم على التصديق الرسمي. ثالثًا، دول المبادرة الفردية المنفردة عن أي تكتل إقليمي فاعل في هذا الملف، وأبرزها سيشل، إضافة إلى إعلانات نيّة صادرة عن تشاد وجمهورية الكونغو (برازافيل) بشأن تطبيق أنظمة مماثلة، وإن كانت هذه الإعلانات - بحسب المصادر المتاحة حتى تاريخه - لا تزال في طور الإعداد ولم تُترجم بعد إلى تطبيق فعلي موثق.
تُظهر بيانات المؤشر أن نسبة الدول التي تسمح بالدخول دون تأشيرة أو عبر التأشيرة عند الوصول ارتفعت من نحو 25% في 2018 إلى ما يقارب 28% في السنوات الأخيرة، غير أن الدرجة الإجمالية للمؤشر شهدت تراجعًا طفيفًا من 0.485 عام 2023 إلى 0.479 عام 2024 (AfDB & AUC, 2024)، وهو ما يعكس هشاشة هذا التقدم وقابليته للتعثر، خصوصًا في ظل التحولات السياسية الإقليمية الأخيرة.
التبرير الاقتصادي: حرية الحركة شرطًا لتفعيل اتفاقية التجارة الحرة القارية يسود إجماع متنامٍ في الأدبيات الاقتصادية على أن التجارة والتنقل البشري متلازمان بنيويًا. وتخلص دراسة صادرة عن المركز الأوروبي لإدارة السياسات التنموية (ECDPM) إلى أن العلاقة بين حرية حركة السلع بموجب اتفاقية التجارة الحرة القارية وحرية حركة الأشخاص بموجب البروتوكول القاري تُعد شرطًا ضروريًا لتحقيق كامل عوائد التكامل الاقتصادي، لا سيما في قطاعات الخدمات وسلاسل القيمة الإقليمية.
ويؤكد إيكومي (Francis Ikome)، من اللجنة الاقتصادية لإفريقيا، على أن تيسير تنقل اليد العاملة وقابلية نقل مهارات المهاجرين يشكلان عاملًا حاسمًا في تمكين الدول الإفريقية - ومنها كينيا - من الاستفادة الكاملة من اتفاقية التجارة الحرة القارية. وقد تعزز هذا الطرح مؤخرًا بمواقف برلمانية صريحة؛ إذ حذّر النائب الأول لرئيس برلمان الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، في مايو 2026، من أن استمرار تعطل حرية الحركة يهدد بإفراغ اتفاقية التجارة الحرة القارية من مضمونها الفعلي بالنسبة لسكان القارة البالغ عددهم نحو 1.5 مليار نسمة (Africa Prosperity Network, 2026).
عمليًا، يترجم انفتاح الحدود إلى خفض ملموس في "تكلفة المعاملات" التي يتحملها صغار التجار والباحثون الأكاديميون ومقدمو الخدمات العابرون للحدود، فضلًا عن دعمه لسلاسل القيمة الإقليمية في قطاعات الزراعة والصناعات الدوائية والخدمات الرقمية، وهي قطاعات تعتمد بشكل مباشر على حركية اليد العاملة الماهرة عبر الحدود الوطنية.
العوائق الموضوعية: لماذا تتردد الدول الكبرى؟ حدد مركز سياسات الهجرة الأوروبي (Migration Policy Centre) في دراسة مرجعية (Mehari, 2019) ستة عوائق رئيسة أمام تفعيل حرية الحركة القارية، يمكن تكثيف أبرزها في ثلاثة محاور:
أولًا، العوائق السياسية والسيادية: ترتبط بمنطق الدولة القومية القائم على ضبط الحدود بوصفه مظهرًا جوهريًا من مظاهر السيادة، إلى جانب ما تصفه الأدبيات بـ"عجز الثقة" المتبادل بين الحكومات، لا سيما في سياقات التوترات الأمنية العابرة للحدود.
ثانيًا، المخاوف الاقتصادية والاجتماعية: يبرزها مسؤولون ونواب مثل النائب الكيني أودانغا (Geofrey Odanga)، الذي أشار إلى أن مخاوف فقدان فرص العمل المحلية والضغط على الخدمات العامة تغذي مواقف معادية للأجانب، وتُضعف الإرادة السياسية اللازمة للسماح بحرية حركة العمالة.
ثالثًا، تداخل العضوية بين التكتلات الإقليمية: إذ تنتمي كثير من الدول الإفريقية إلى أكثر من تجمع إقليمي في آن واحد (كالجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا وتحالف دول الساحل حديث النشأة)، بما يخلق تضاربًا في الالتزامات القانونية ويُصعّب توحيد الأنظمة القارية.
نتيجة لهذه العوامل مجتمعة، لا تزال أبرز الاقتصادات الإفريقية - الجزائر ومصر ونيجيريا وجنوب إفريقيا وإثيوبيا - خارج دائرة المصادقة على البروتوكول القاري حتى تاريخ إعداد هذا المقال، رغم ما تمثله من ثقل ديموغرافي واقتصادي حاسم لأي تكامل قاري فعّال.
من الخطاب إلى الواقع: تقييم نقدي يستدعي الانتقال من الخطاب المؤسسي إلى الممارسة الفعلية الإقرار بثلاث ملاحظات جوهرية:
أولًا، أن هذه المبادرات مبادرات وطنية بالأساس وليست التزامات قارية ملزمة؛ فالبروتوكول لم يدخل بعد حيز النفاذ، وبالتالي فإن كل دولة تطبق سياساتها الحدودية وفق حساباتها السيادية والأمنية الخاصة، لا بموجب التزام تعاهدي مشترك.
ثانيًا، أن عبارة "بدون تأشيرة" لا تعني بالضرورة "بدون ضوابط"؛ فجميع الدول المعنية تحتفظ بحقها في مراجعة وثائق الدخول والتحقق من الهوية. وتُعد كينيا نموذجًا دالًا على ذلك، إذ استعاضت عن نظام التأشيرة التقليدي بنظام "تصريح السفر الإلكتروني" (ETA) الذي يحقق الغرض العملي من التيسير دون التخلي الكامل عن آلية الرقابة الحدودية.
ثالثًا، أن ثمة فجوة ملحوظة بين مواقف المواطنين والحكومات؛ إذ تشير دراسات متعددة إلى أن المواطنين الأفارقة، في استطلاعات الرأي والمسوح الميدانية، يُبدون انفتاحًا على حرية الحركة القارية أكبر بكثير من الانفتاح الذي تُبديه حكوماتهم، وهو ما يعكس فجوة تمثيلية تستحق مزيدًا من البحث السياسي المقارن.
ويرى عدد من الباحثين أن أحد المخارج العملية الممكنة يكمن فيما يُعرف بـ"الإصلاحات الانتقائية"، أي فتح باب التأشيرات أولًا أمام فئات محددة كالمهنيين ورجال الأعمال والمستثمرين، على غرار التجربة التي شهدتها بلدان أمريكا الجنوبية في مسار تكاملها الإقليمي، باعتبارها خطوة تمهيدية أقل كلفة سياسيًا من الانفتاح الشامل الفوري.
نحو تكامل تدريجي لا يحل انفتاح عدد محدود من الدول الإفريقية على مواطني القارة إشكالية التكامل القاري في ملف حرية الحركة، غير أنه يُسهم في بناء زخم تراكمي لا يمكن إغفاله. فهو تجسيد عملي للإقرار المتزايد بأن التنمية الاجتماعية والاقتصادية للقارة تستفيد بشكل مباشر من توسيع هامش حرية الحركة البينية، على النحو الذي أكدته مفوضية الاتحاد الإفريقي في تقاريرها الدورية حول "التقدم المحرز في تطوير واعتماد حلول انفتاح التأشيرات للمواطنين الأفارقة، وتعزيز مبدأ المعاملة بالمثل الإيجابية" بين الدول الأعضاء.
بيد أن التحدي الجوهري يبقى كامنًا في الانتقال من مبادرات وطنية متفرقة إلى سياسة قارية موحدة وملزمة قانونًا، بما يضمن استدامة المكتسبات الحالية وحمايتها من الانتكاسات السياسية العابرة، على غرار ما شهدته منطقة غرب إفريقيا مؤخرًا. وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل عبور المواطن الإفريقي من أكرا إلى كيغالي بلا تأشيرة مثالًا حيًا على إمكانية تحقيق الوحدة القارية، وفي الوقت ذاته تذكيرًا بأن الطريق نحو حرية حركة شاملة وملزمة لا يزال طويلًا.


