تحيي المدن العراقية، وفي مقدمتها النجف الأشرف وكربلاء وبغداد وباقي المحافظات، ذكرى المولد النبوي الشريف في السابع عشر من ربيع الأول من كل عام، بوصفه مناسبة دينية ووطنية تجتمع فيها مظاهر الإيمان مع مظاهر الفرح الشعبي. ولطالما شكلت هذه الذكرى لدى المجتمع العراقي محطة روحية عميقة، لا تقتصر على الجانب العبادي فحسب، بل تمتد لتشمل البعد الثقافي والاجتماعي والفكري.
ففي العراق، لا يمر مولد النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم مروراً عابراً، بل يتحول إلى موسم للعلم والخطابة والمجالس والندوات، حيث تُضاء المآذن وتُزيَّن الشوارع، وتُعقد حلقات العلم وقراءة القرآن، وتُوزع الصدقات وتُقام موائد الإطعام. وتبرز في هذه المناسبة خصوصية العراق بوصفه أرض المراقد والمقدسات، وأرض العلماء والمفكرين الذين حملوا رسالة الإسلام المحمدي الأصيل.
ويتوافق مع هذه الذكرى المباركة أيضاً مولد حفيده الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، وهو ما يمنح المناسبة بعداً علمياً ورسالياً مضاعفاً. فالإمام الصادق عليه السلام يمثل امتداداً للمدرسة النبوية في الفكر والتشريع والأخلاق، وكان له الدور الأبرز في تأسيس المنهج العلمي لأتباع أهل البيت عليهم السلام، والذي صان التراث النبوي من التحريف والضياع. ومن هنا جاءت المبادرات العلمية والثقافية التي نظمتها الحوزات والمراكز البحثية لتؤكد أن الاحتفاء بالمولد ليس مجرد طقوس، بل هو تجديد للعهد مع المشروع النبوي في بناء الإنسان والمجتمع.
وأن السيرة النبوية لا تزال المصدر الحي الذي تستمد منه الشعوب قيمها وأخلاقها ومنهجها في التعايش. كما أنها فرصة لمراجعة الذات والعودة إلى القيم التي أرساها النبي الكريم من رحمة وعدل وتسامح ووحدة. وقد شهدت هذا العام مشاركة واسعة من المؤسسات الدينية والأكاديمية والشبابية، مما يعكس حالة الوعي المتنامية بأهمية استحضار السيرة في مواجهة خطاب الكراهية والتطرف.
دار العلم للإمام الخوئي ودورها التوعوي وجهودها في جمع الطوائف
وفي قلب النجف الأشرف، برز دور مؤسسة علمية عريقة في احتضان هذه المناسبة وتحويلها إلى منصة للحوار والفكر، وهي دار العلم للإمام الخوئي، التي تحظى بمكانة مرموقة في الوسط الحوزوي والأكاديمي العراقي والدولي. فهي ليست مجرد مكتبة أو مركز بحث، بل هي منارة فكرية أسسها المرجع الديني الكبير الراحل السيد أبو القاسم الخوئي قدس سره لتكون صرحاً لنشر علوم أهل البيت عليهم السلام وخدمة التراث الإسلامي وتحقيق التواصل بين الأجيال.
وقد اضطلعت دار العلم على مدى عقود بدور توعوي وتعليمي كبير، من خلال إصداراتها العلمية ومجلاتها ومراكزها البحثية، وعبر استقطابها لنخبة من العلماء والباحثين. وفي هذا الإطار جاء الاحتفال السنوي بذكرى ولادة نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحفيده الإمام الصادق عليه السلام، الذي نظمه مركز البلاغي التابع للدار يومي 29 و30 / 8 / 2026 في قاعة مكتبة الإمام الخوئي العامة، ليؤكد على رسالة الدار في ربط المناسبات الدينية بالحراك العلمي الجاد.

وما يلفت النظر في هذا الاحتفال هو طابعه الجامع الذي تجاوز حدود المذهب والانتماء الضيق. فقد حرص القائمون على المركز أن تكون الدعوة مفتوحة لكل أطياف الشعب العراقي المسلم، سنة وشيعة، وأن تكون المحاور المطروحة تلامس هموم الإنسان العراقي بغض النظر عن انتمائه. وهذا النهج يعكس الرؤية التي آمن بها الإمام الخوئي من أن العلم والدين يجب أن يكونا جسراً للوحدة لا سبباً للفرقة.
لقد تحولت قاعة المكتبة إلى فضاء للحوار الرصين، حيث التقى الباحثون والأكاديميون وطلبة العلوم الدينية من مختلف المشارب، في ثلاث جلسات علمية ناقشت السيرة النبوية من زوايا متعددة: التاريخية والاستشراقية والروائية، ثم البعد الاجتماعي والإنساني للسيرة، وأخيراً الدور المحوري للإمام الصادق في حفظ الحديث النبوي. وهذا التنوع في الطرح يؤكد أن دار العلم لا تكتفي بالاحتفاء الشكلي، بل تسعى إلى إنتاج معرفة جديدة تخدم المجتمع وتجيب عن أسئلته.
إن جهود مركز البلاغي في هذا الاحتفال تمثل نموذجاً يحتذى به في كيفية تحويل المناسبات الدينية إلى مشاريع ثقافية رصينة. فبدلاً من الاكتفاء بالخطابة التقليدية، قدم المركز مائدة علمية متكاملة شارك فيها أساتذة جامعيون ورجال دين وباحثون، مما أضفى على الاحتفال هيبة علمية وجعل منه حدثاً فكرياً يستحق المتابعة والتوثيق. كما أن اختيار النجف الأشرف مكاناً للاحتفال يضفي عليه بعداً رمزياً، فهي مدينة العلم والعلماء، ومنها انطلقت المدارس الفقهية والكلامية التي حفظت للأمة هويتها.
مشاركة السيد الدكتور هاشم العوادي

ومن أبرز ما ميز هذا الاحتفال العلمي، المشاركة الفاعلة لشخصيات أكاديمية وفكرية تمثل مكونات المجتمع العراقي المتنوعة. وفي هذا السياق، تولى سماحة السيد الدكتور هاشم العوادي، مدير مركز أفرابيا للنخب الأفروعراقية، إدارة الجلسة العلمية الثانية التي حملت عنوان: “السيرة النبوية وبناء المجتمع – مقاربات في البعد الاجتماعي والإنساني”.
حيث تناولت أحد أهم الموضوعات التي تمس حياة الناس اليومية، ألا وهو كيف أسست السيرة النبوية لنظام اجتماعي متكامل يقوم على العدل والرحمة والمساواة. وشارك في الجلسة نخبة من الباحثين: فضيلة الشيخ الدكتور عمر مهدي صالح، عضو رابطة علماء الجنوب / محافظة البصرة، الذي تحدث عن “السيرة النبوية وتأسيس النظام الاجتماعي”، وأيضاً أستاذ علم الاجتماع في جامعة الكوفة، السيد الدكتور مهيب الأعرجي، في “الأسرة في المنظور النبوي: البناء والحماية”، وسماحة السيد حيدر مهدي الحكيم في “الطفولة في سيرة النبي: الرعاية والتربية”.
وقد تميزت إدارة الدكتور العوادي للجلسة بالمهنية والقدرة على ربط المحاور النظرية بالواقع العراقي المعاصر، حيث أشار في مداخلاته إلى أن السيرة النبوية تقدم لنا حلولاً عملية لقضايا التفكك الأسري والظلم الاجتماعي والتمييز، وأن استحضار هذه النماذج هو السبيل لإعادة بناء النسيج الاجتماعي العراقي. والمقارنة بين النظام الإسلامي والنظريات الغربية في بناء النظام الاجتماعي، كما أكد على أن احتفاءنا بالنبي والإمام الصادق عليهما السلام يجب أن يترجم إلى سلوك يومي في احترام حقوق الآخر والتعايش وقبول التنوع.
إن حضور شخصيات تمثل النخب العلمية والدينية في منصة علمية مرموقة كهذه، يرسل رسالة واضحة مفادها أن العراق لكل أبنائه، وأن الانتماء للوطن والدين يتقدم على أي انتماء فرعي. كما أنه يعكس نجاح مركز أفرابيا في أن يكون صوتاً فاعلاً في المؤسسات العلمية والدينية الكبرى، ويساهم في صياغة خطاب ديني علمي ووطني جامع.

أهمية إحياء مثل هذه الاحتفالات الدينية
وفي الختام، لا يمكن فصل أهمية إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف ومولد الإمام الصادق عليه السلام عن الحاجة الماسة التي يعيشها المجتمع العراقي اليوم إلى إعادة الاعتبار للقيم الروحية والأخلاقية. فمثل هذه الاحتفالات ليست ترفاً أو عادة سنوية، بل هي ضرورة حضارية.
أولاً: لأنها تربط الأجيال الجديدة بتاريخها وهويتها، وتمنحهم نماذج عملية من سيرة النبي وأهل بيته يمكن الاقتداء بها في زمن طغت فيه الماديات وتغيرت فيه المعايير.
ثانياً: لأنها توفر فضاءً آمناً للحوار العلمي الرصين بعيداً عن خطاب التكفير والتشدد.
ثالثاً: لأنها تؤكد على وحدة العراقيين بمختلف مكوناتهم، فالاحتفاء بالنبي محمد هو احتفاء بجامع الأمة، ولا يمكن لأي مكون أن يدعي احتكاره لهذه الشخصية العظيمة.
رابعاً: لأنها تذكرنا بأن رسالة الإسلام الأولى كانت رسالة بناء وتعمير ورحمة، وأن أي انحراف عن هذا الأصل هو خروج عن جوهر الدين.
لذلك فإن استمرار مؤسسات مثل دار العلم للإمام الخوئي ومركز البلاغي ومركز أفرابيا في إحياء هذه المناسبات بالعلم والفكر والحوار، هو استثمار حقيقي في مستقبل العراق. فالأمم لا تُبنى بالشعارات فقط، بل بالعلم وبالقدوة وبالعودة الدائمة إلى منابعها الصافية.
إن ختام الجلسات بعرض التوصيات على يد سماحة السيد الدكتور زيد بحر العلوم، والتي أكدت فيها على ضرورة مواصلة البحث في السيرة والتراث الإسلامي وتوظيفهما في معالجة قضايا الفكر والمجتمع، هو خير دليل على أن هذه الاحتفالات تهدف إلى إنتاج أثر ملموس، لا إلى مجرد استذكار عابر.
فلتكن ذكرى المولد هذا العام نقطة انطلاق جديدة لنا جميعاً، لنجعل من أخلاق النبي منهجاً، ومن علم الإمام الصادق طريقاً، ومن وحدة العراق هدفاً لا نحيد عنه.


