العربية في غرب أفريقيا.. لغةٌ تصارع التهميش وتبحث عن مستقبلها
كيف أعاد «مركز أفرابيا» فتح النقاش حول مكانة العربية في ساحل العاج ومستقبلها بين التعليم والثقافة والهوية؟
ليست معركة اللغة العربية في غرب أفريقيا معركة كلمات أو مناهج دراسية فحسب، بل هي امتداد لصراع أعمق حول الذاكرة والهوية وموقع المعرفة في مجتمعات أعادت التحولات السياسية والاستعمارية تشكيل بنيتها الثقافية والتعليمية. فالعربية التي ارتبطت لقرون بالتجارة والعلم والتدوين والتواصل بين مجتمعات غرب القارة، وجدت نفسها مع التحولات الاستعمارية أمام واقع جديد تقلصت فيه وظائفها، وتراجعت من فضاء المعرفة الواسع إلى نطاق ارتبط في كثير من البيئات بالتعليم الديني.
وفي ساحل العاج، تبدو هذه الإشكالية أكثر تعقيدًا؛ فالعربية لم تختفِ من المجتمع، لكنها ظلت تبحث عن موقع جديد داخل منظومة تعليمية ومؤسسية يغلب عليها الطابع الفرنكوفوني، بينما حافظت المدارس العربية والمؤسسات الدينية والجمعيات والجاليات على حضورها، وبدأت خلال السنوات الأخيرة مؤشرات جديدة على انتقالها إلى الجامعة والفضاء الثقافي العام. وتشير المادة العلمية المصاحبة للجلسة إلى أن افتتاح أول قسم للغة العربية في جامعة حكومية بجامعة بوندوكو في يونيو 2025 مثّل محطة لافتة في هذا المسار، بعد عقود ظل فيها تعليم العربية مرتبطًا بدرجة أكبر بالمؤسسات الدينية والتعليم الأهلي.
من هنا جاءت جلسة مركز أفرابيا للنخب الأفروعراقية حول «مستقبل اللغة العربية في غرب أفريقيا – أبيدجان نموذجًا»، لتضع واقع العربية في ساحل العاج أمام نقاش متعدد الزوايا، بدأ من التاريخ ولم يتوقف عنده، وانتقل إلى أثر الاستعمار، والعلاقة بين العربية والعلوم الشرعية، ودور الجاليات العربية، وهيمنة المنظومة الفرنكوفونية، وصولًا إلى إمكانات توظيف العربية في التعليم والدبلوماسية والتبادل الثقافي والتعاون بين أفريقيا والعالم العربي.

من التهميش إلى الاعتراف.. سؤال العربية يتجاوز الماضي
افتتح الدكتور هاشم العوادي، مدير مركز أفرابيا للنخب الأفروعراقية ورئيس إدارة الجلسة، النقاش بالتوقف عند البناء الذي قدمه الدكتور كمارا سليمان حول تاريخ اللغة العربية في غرب أفريقيا وساحل العاج.
ولخص العوادي محاور المداخلة في أربعة مسارات أساسية: الجذور التاريخية للعربية في غرب أفريقيا وساحل العاج، ثم مرحلة النمو والتطور التي انتقلت فيها اللغة من التهميش إلى الاعتراف، والتحديات التي تواجهها اليوم، وصولًا إلى الفرص المتاحة أمامها ومستقبل حضورها. ولم يكن استعراض هذه المحاور بالنسبة إليه مجرد تلخيص لما سبق، وإنما مدخلًا لطرح أسئلة أكثر التصاقًا بالواقع.
ومن واقع زياراته المتعددة إلى ساحل العاج وإقامته في أبيدجان، انتقل العوادي مباشرة إلى جوهر الإشكالية، متسائلًا عما إذا كانت التحديات التي تواجه العربية اليوم لا تزال مرتبطة فقط بالإرث الاستعماري، أم أن هناك تحديات داخلية وبيئية جديدة تعيق انتشارها.
وهنا طرح سؤالًا مركبًا حول العلاقة بين اللغة العربية والعلوم الشرعية: هل أسهم هذا الارتباط في حماية العربية وانتشارها، أم أنه أدى، في بعض البيئات، إلى حصرها داخل إطار ديني ضيق؟ وهل أصبحت هناك قناعة لدى بعض الفئات بأن تعلم العربية يعني بالضرورة الاتجاه إلى دراسة العلوم الشرعية أو الانخراط في المجال الديني؟
كان السؤال، في جوهره، يتجاوز اللغة إلى صورتها في الوعي الاجتماعي؛ أي إلى الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى العربية، وإلى ما إذا كانت تُعامل باعتبارها لغة ثقافة وحضارة ومعرفة، أم باعتبارها مجرد وسيلة للوصول إلى النصوص الدينية.
كمارا سليمان: آثار الاستعمار لم تنتهِ بخروج المستعمر
في رده على أسئلة الدكتور هاشم العوادي، رأى الدكتور كمارا سليمان، المتخصص في اللغويات التطبيقية من ساحل العاج، أن فهم وضع العربية اليوم لا يمكن أن ينفصل عن الطريقة التي تعاملت بها الحركة الاستعمارية معها.
وأوضح أن الاستعمار لم يتعامل مع العربية باعتبارها لغة ثقافة وحضارة مستقلة، وإنما ربط حضورها بالإسلام، وبالتالي أصبحت اللغة في نظر المشروع الاستعماري مرتبطة بحضور ديني كان يُنظر إليه بوصفه منافسًا للمشروع الاستعماري نفسه. وبذلك جرى التعامل مع محاربة العربية باعتبارها جزءًا من مواجهة انتشار الإسلام.
غير أن أثر هذه المرحلة، بحسب كمارا، لم يتوقف بانتهاء الاستعمار؛ إذ ما تزال بعض آثاره حاضرة في الوعي الاجتماعي. وأشار إلى أن بعض الأسر تنظر إلى اللغة العربية ومدارسها نظرة دونية، ولا ترغب في إرسال أبنائها إلى المدارس العربية الإسلامية، انطلاقًا من اعتقاد بأن العربية لا توفر مستقبلًا مهنيًا واضحًا.
وهنا يتحول التحدي من قضية تاريخية إلى مشكلة معاصرة؛ فحين تصبح اللغة في نظر الأسرة مرتبطة بمسار تعليمي لا يقود إلى فرص مهنية، فإن قرار تعلمها لا يعود قرارًا لغويًا فقط، بل يصبح قرارًا اجتماعيًا واقتصاديًا أيضًا.
حين تساوي العربية الإسلام.. الوجه الآخر للمشكلة
عاد دكتور هاشم العوادي إلى الجانب الثقافي من السؤال، طالبًا توضيح أثر ارتباط العربية بالإسلام والعلوم الشرعية، وما إذا كان هذا الارتباط قد جعل دراسة العربية تبدو في بعض البيئات وكأنها طريق بالضرورة إلى الإسلام أو إلى العلوم الشرعية.
وهنا قدم كمارا قراءة مزدوجة لهذا الارتباط. فمن ناحية إيجابية، فإن تعلم العربية يفتح أمام الإنسان الأفريقي فرصة للتعرف إلى الإسلام والشريعة، خصوصًا أن جانبًا أساسيًا من التراث الشرعي مكتوب بالعربية. ومن ثم، فإن انتشار اللغة أسهم تاريخيًا في انتقال المعرفة الدينية.
لكن الوجه الآخر للمسألة أكثر تعقيدًا؛ إذ إن بعض الحكومات، وخاصة في الدول التي تتبنى نظامًا علمانيًا، تنظر بحذر إلى توسيع المجال الأكاديمي للغة إذا كان ذلك سيؤدي، في تصورها، إلى توسيع الحضور الديني داخل المجتمع.
وأشار كمارا إلى أن محاولات فصل العربية عن الدين ظهرت في إنشاء مدارس علمانية، وأن المدارس التي تحظى بدعم حكومي تفرض شروطًا ومناهج تهيمن فيها المواد الفرنسية، بينما تكون مساحة المواد العربية محدودة من حيث الحجم والزمن.
ومن هنا خلص النقاش إلى ما يمكن اعتباره إحدى أكثر الأفكار وضوحًا في الجلسة: وجود أزمة إدراك تجاه العربية. فحين تُختزل اللغة في الإسلام والعلوم الشرعية، يُحجب جانب واسع من تاريخها ووظيفتها الثقافية والحضارية.
العربية، كما أكد كمارا في سياق رده، ليست مرتبطة بالإسلام وحده؛ فهي لغة ذات تاريخ سابق للإسلام، وتحمل إرثًا ثقافيًا وحضاريًا واسعًا. ولذلك فإن اختزالها في وظيفة واحدة يحد من إمكاناتها ويؤثر في موقعها داخل التعليم والمجتمع.
أبيدجان.. الجاليات العربية في قلب المشهد
ومن التحديات الثقافية والتعليمية، انتقل العوادي إلى سؤال مختلف يتعلق بأبيدجان نفسها، حيث لاحظ خلال زياراته وجود جالية عربية كبيرة، ولا سيما الجالية اللبنانية، إلى جانب جاليات عربية أخرى، متسائلًا عن مدى مساهمة هذه الجاليات في دعم حضور اللغة العربية داخل العاصمة الاقتصادية لساحل العاج.
وأكد كمارا أن الدور لا يقتصر على الجالية اللبنانية، وإنما يشمل جاليات مصرية وسورية وغيرها، مشيرًا إلى وجود محاولات ومبادرات من هذه الجاليات لدعم اللغة العربية عبر المؤسسات والحركات الثقافية.
ولفت إلى أن هذه الجهود لا ترتبط بجهة واحدة، بل تتصل بمبادرات من لبنان ومصر ودبي والمملكة وغيرها، بما يجعل الجالية العربية أحد مكونات المشهد الذي يمكن أن يدعم حضور العربية في أبيدجان.
ويتقاطع هذا الطرح مع ما أظهرته المادة المصاحبة للجلسة من اتساع حضور العربية في أبيدجان عبر الندوات والفعاليات الثقافية والشعرية، إلى جانب المناسبات المرتبطة باليوم العالمي للغة العربية، والنشاط الأكاديمي والثقافي للجمعيات والأندية المهتمة باللغة والأدب.
من أبيدجان إلى تشاد.. الفرنكوفونية في مواجهة العربية
ولم يبق النقاش محصورًا في ساحل العاج؛ إذ أتاح حضور الدكتور حسن كلي من تشاد توسيع زاوية النظر إلى واقع العربية في منطقة الساحل وغرب أفريقيا.
وركزت مداخلته على استمرار تأثير المنظومة الفرنكوفونية في دول أفريقيا جنوب الصحراء، مؤكدًا أن تأثيرها لا يقتصر على اللغة، بل يمتد إلى المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية، وإلى الإدارات الحكومية والمناسبات الرسمية ومواقع اتخاذ القرار.
وبحسب المداخلة، فإن استمرار هيمنة النخب الفرنكوفونية داخل المؤسسات يمثل أحد العوائق أمام توسع العربية وانتشارها في التعليم الرسمي. واستعاد الدكتور حسن تجربة تشاد، مشيرًا إلى محاولات إنشاء مدارس عربية إلى جانب النظام التعليمي الفرنكوفوني، والاحتجاجات التي رافقت المطالب بإيجاد مساحة عادلة للتعليم بالعربية والمواد الإسلامية.
غير أن الحل الذي اتُّخذ في التجربة التي عرضها لم يكن متوازنًا بالكامل؛ فقد جرى تخصيص الفترة الصباحية للفرنكوفونيين، والفترة المسائية للطلاب العربوفونيين. وأوضح أن هذا الترتيب خلق مشكلة عملية للطلاب، خصوصًا في ظل ارتفاع درجات الحرارة في الفترات الصيفية، الأمر الذي يجعل استيعاب الدروس خلال ساعات ما بعد الظهر أكثر صعوبة بالنسبة إلى الأطفال والشباب.
ومن هنا رأى الدكتور حسن أن استمرار تأثير المنظومة الفرنكوفونية يمثل عاملًا مهمًا في ضعف انتشار العربية والإسلام في عدد من بلدان المنطقة، وأن آثار هذه المنظومة ما تزال حاضرة في واقع اللغة العربية حتى اليوم.
د. مأمون: العربية ليست لغة وافدة.. بل جزء من تاريخ أفريقيا
وفي مداخلة الدكتور مأمون، اتخذ النقاش منحى أوسع، إذ رفض اختزال العربية في كونها لغة وافدة إلى القارة، مؤكدًا أنها أصبحت جزءًا من البنية التاريخية والثقافية والاجتماعية والسياسية لأفريقيا.
ومن هذا المنطلق، رأى أن العربية يمكن توظيفها في مجالات متعددة، من الحوار الأفريقي العربي والتبادل الثقافي إلى التعليم والدبلوماسية والتعاون الاقتصادي. فاللغة، في نظره، ليست وسيلة تواصل فقط، وإنما واحدة من أدوات القوة الناعمة والأداء الدبلوماسي.
ويأخذ هذا الطرح أهمية خاصة في منطقة غرب أفريقيا ودول الساحل، التي وصفها مأمون بأنها مناطق غنية بالإمكانات لكنها تعاني في الوقت نفسه من عدم الاستقرار والهشاشة الأمنية، وهي عوامل يمكن أن تؤثر في حركة اللغة والثقافة وانتشار التعليم.
ومع ذلك، شدد على أن وجود العربية في المنطقة قديم، وأن صلاتها بأفريقيا لم تبدأ في العصر الحديث، بل ارتبطت بالممالك القديمة والهجرات وحركة القبائل والعلاقات الممتدة مع شمال أفريقيا.
من الذاكرة العربية إلى اللغات الأفريقية.. أثر يتجاوز الحدود
لم يتوقف مأمون عند الحديث عن الوجود التاريخي للعربية، وإنما أشار إلى أثرها داخل عدد من اللغات الأفريقية نفسها، موضحًا أن مفردات عربية دخلت إلى لغات محلية، وأن هذا التداخل يعكس عمق التفاعل التاريخي بين العربية والبيئات الأفريقية.
واستحضر في هذا السياق مثالًا لغويًا أشار فيه إلى وجود نماذج تمزج بين اللغات المحلية والعربية، بما يعكس أن العلاقة لم تكن علاقة لغة تفرض نفسها على بيئة أخرى، وإنما علاقة تفاعل طويل بين لغات وثقافات ومجتمعات.
كما تناول تجربة السودان، مشيرًا إلى ما توفره الجامعات ومراكز الدراسات من إمكانية للقيام بدور أكبر في نشر العربية، واستشهد بتجربة جامعة أفريقيا العالمية في استقبال طلاب من غرب أفريقيا وأجزاء أخرى من القارة للدراسة باللغة العربية، إلى جانب وجود مؤسسات متخصصة في تعليم العربية لغير الناطقين بها.
وفي هذا الطرح، تظهر الجامعة بوصفها أكثر من مؤسسة تعليمية؛ فهي يمكن أن تتحول إلى جسر للتواصل بين المجتمعات الأفريقية والعالم العربي، وأن تنقل الخبرات والتجارب في تعليم العربية من بلد إلى آخر.
الجامعات والجاليات ومراكز الدراسات.. أين يبدأ الحل؟
إذا كانت المداخلات قد كشفت عن تحديات تاريخية ومؤسسية واجتماعية أمام العربية، فإنها في الوقت نفسه قدمت مجموعة من المسارات التي يمكن أن تشكل قاعدة لتحرك جديد.
فمأمون أشار إلى أهمية الجامعات ومراكز الدراسات والجاليات والفعاليات الثقافية والاجتماعية في دعم حضور العربية، مؤكدًا أن هناك عددًا كبيرًا من المجتمعات والقبائل والناطقين بالعربية في غرب أفريقيا يمكن البناء على وجودهم بدل التعامل مع العربية باعتبارها لغة هامشية.
ومن جانبه، أظهر كمارا في مداخلته أن تجاوز أزمة العربية يبدأ من إعادة تعريف موقعها في المجتمع، وعدم حصرها في العلوم الشرعية أو في المدارس الدينية. فالمشكلة، كما تكشف مجمل الحوار، لا تكمن في انعدام تاريخ اللغة أو غياب الرصيد الاجتماعي لها، وإنما في محدودية الوظائف التي يُنظر إليها من خلالها.
وهنا تلتقي مداخلات الجلسة مع المادة العلمية المعدة حول واقع العربية في ساحل العاج، والتي ترى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تطوير المناهج، وتأهيل المعلمين، وتحسين البيئة التعليمية، وتوسيع التعليم الجامعي، وتشجيع البحث العلمي، وإدخال العربية بصورة أكبر إلى الإعلام والفضاء الرقمي، وربط خريجيها بسوق العمل، وبناء شراكات علمية وثقافية مع المؤسسات العربية والدولية.
من الحفاظ على العربية إلى إعادة تعريف دورها
تكشف الجلسة في مجملها أن السؤال عن مستقبل العربية في غرب أفريقيا لا يمكن اختزاله في سؤال بسيط حول عدد المدارس أو الطلاب. فالمسألة أوسع من ذلك.
العربية تمتلك تاريخًا طويلًا في المنطقة، لكنها تواجه إرثًا من التهميش الاستعماري، وصورة اجتماعية تربطها في بعض البيئات بالدين وحده، ونظامًا تعليميًا تهيمن عليه الفرنسية، فضلًا عن تحديات تتعلق بالمناهج والمعلمين والاعتراف الأكاديمي والمسارات المهنية.
وفي المقابل، فإن هناك مؤشرات على تحول تدريجي في المشهد. فالمادة المصاحبة للجلسة تشير إلى افتتاح أول قسم للغة العربية في جامعة حكومية بساحل العاج، كما تشير إلى اتساع النشاط الثقافي والأدبي والجامعي في أبيدجان، بما في ذلك الفعاليات العربية والندوات ومهرجانات الشعر ونشاط الجمعيات العلمية. وهذا يعني أن العربية لا تقف اليوم عند نقطة الصفر، لكنها في الوقت نفسه لم تصل بعد إلى المكانة التي يمكن أن تجعلها جزءًا كاملًا من المجال الأكاديمي والثقافي العام.
التحدي، إذن، ليس فقط في الحفاظ على اللغة، وإنما في توسيع وظائفها: أن تكون لغة للتعليم، والبحث، والثقافة، والإبداع، والإعلام، والعمل، والدبلوماسية، إلى جانب وظيفتها الدينية.
مستقبل العربية.. من الهامش إلى فضاء أوسع
في ختام النقاش، بدت الصورة أكثر تركيبًا من مجرد ثنائية «حضور وغياب». فالعربية موجودة، ولها جذور عميقة، لكنها تبحث عن موقع جديد يتلاءم مع واقع المجتمعات الأفريقية المعاصرة.
فإذا كان الاستعمار قد أسهم في إعادة تشكيل صورتها وتقليص وظائفها، فإن استعادة مكانتها اليوم لن تتحقق بمجرد العودة إلى الماضي. المطلوب هو تحويل ذلك الإرث التاريخي إلى حضور جديد قادر على التعامل مع أسئلة التعليم والاقتصاد والثقافة وسوق العمل والدبلوماسية والتكنولوجيا.
وهنا تبرز أبيدجان باعتبارها نموذجًا مهمًا؛ مدينة تتقاطع فيها الجاليات والمؤسسات التعليمية والفعاليات الثقافية والبعثات والعلاقات العربية الأفريقية، ويمكن فيها للعربية أن تنتقل من مساحة محدودة إلى حضور ثقافي وتعليمي أكثر اتساعًا.
وقد عبر د. مأمون عن هذا المعنى من زاوية أخرى حين وضع العربية داخل سياق القوة الناعمة والعلاقات الأفريقية العربية، مؤكدًا أن اللغة يمكن أن تكون أداة للحوار والتبادل الثقافي والتعليم والدبلوماسية والتعاون الاقتصادي.
أما د. هاشم العوادي، ففي ختام الجلسة، جدد شكره للدكتور كمارا سليمان ولجميع الضيوف المشاركين، مؤكدًا أهمية ما طرح حول واقع اللغة العربية في غرب أفريقيا وساحل العاج على وجه الخصوص، قبل أن يعلن الانتقال إلى موضوعات أخرى تتصل بالنخب الأفروعراقية.
وفي المقابل، اختتم كمارا سليمان مشاركته بتوجيه الشكر إلى مركز أفرابيا والعاملين فيه والمشاركين في الندوة، معتبرًا أن إتاحة الفرصة للحديث عن اللغة العربية في غرب أفريقيا تمثل مساحة مهمة للنقاش حول مستقبلها.
وهكذا، لم تخرج الجلسة بإجابة بسيطة عن سؤال مستقبل العربية، بقدر ما أعادت صياغة السؤال نفسه: كيف يمكن للغة ذات جذور عميقة في أفريقيا أن تستعيد وظائفها الواسعة، وأن تنتقل من كونها لغة مرتبطة في الوعي العام بالتعليم الديني إلى لغة حاضرة في الجامعة والثقافة والمعرفة والحياة العامة؟
الإجابة، كما توحي مداخلات المشاركين، لا تبدأ من استعادة الماضي وحده، وإنما من بناء مؤسسات جديدة، وتطوير التعليم، وتوسيع الشراكات، والاستفادة من الجامعات والجاليات ومراكز الدراسات، وإعادة تقديم العربية باعتبارها جزءًا من تاريخ أفريقيا وحاضرها، لا لغة وافدة على القارة.
فالعربية في غرب أفريقيا لم تفقد جذورها؛ لكنها تبحث اليوم عن موقع يليق بهذا الإرث داخل مستقبل القارة.

معًا.. نصوغ وعي الحاضر ونمتلك سردية المستقبل.


