تعيش ولاية جيجل شرقي الجزائر على وقع واحدة من أعنف كوارث حرائق الغابات التي شهدتها المنطقة، بعدما اجتاحت النيران عددًا من البلديات يومي 27 و28 أغسطس – آب 2026، مخلفة حصيلة مؤقتة بلغت 73 ضحية في بلدية الجمعة بني حبيبي وحدها، وسط استمرار عمليات البحث عن مفقودين وجهود السيطرة على بؤر الحرائق.
وأعلنت بلدية الجمعة بني حبيبي تسجيل 73 ضحية في حصيلة مؤقتة، فيما لم تُحسم بعد الحصيلة النهائية في ظل استمرار عمليات البحث وانتشال الضحايا من المناطق التي طالتها النيران. وأفادت معطيات متداولة بأن الضحايا يتواجدون على مستوى مستشفيات جيجل والميلية، في وقت دعت in فيه البلدية أهالي الأشخاص الواردة أسماؤهم في القائمة إلى التوجه إلى مستشفى الميلية، مرفوقين ببطاقات التعريف الوطنية، لاستكمال إجراءات استلام جثامين ذويهم.

وجاءت هذه الإجراءات بالتزامن مع مشاهد مؤلمة شهدتها بلدة الجمعة بني حبيبي، حيث جرى، بعد صلاة الجمعة، دفن جماعي لـ39 من ضحايا الحرائق، في مراسم حضرها الوزير الأول سيفي غريب وجمع غفير من المواطنين.
وعكست مراسم التشييع حجم الفاجعة التي أصابت سكان المنطقة، بعدما احتشدت أعداد كبيرة من المواطنين لمرافقة الضحايا إلى مثواهم الأخير، فيما شارك أفراد الحماية المدنية في نقل النعوش وعمليات الدفن.

وفي السياق ذاته، كشفت شهادات نقلتها وسائل إعلام عن وفاة 21 شخصًا من عائلة واحدة في أعالي بني حبي، فيما تحدثت شهادات أخرى عن انتشال جثث من مناطق حاصرتها النيران، وعن أشخاص لقوا حتفهم أثناء محاولتهم مغادرة منازلهم أو إنقاذ ممتلكاتهم ومواشيهم.
ولم تقتصر الحرائق على بلدية الجمعة بني حبيبي، بل امتدت إلى مناطق أخرى من ولاية جيجل، من بينها تيسبيلان وبرج الطهر وأولاد عسكر والميلية والشحنة وتاكسنة، إلى جانب مناطق أخرى شهدت عمليات إخماد وإنقاذ واسعة.
وتشير التقديرات الأولية المتداولة إلى تضرر مساحات واسعة من الغطاء الغابي في المنطقة، التي تتميز بطبيعتها الجبلية وكثافة غاباتها، فيما خلفت النيران خسائر كبيرة في الممتلكات والمناطق الزراعية، فضلًا عن الخسائر البشرية التي لا تزال حصيلتها قابلة للارتفاع.

وبالتزامن مع ذلك، أعلنت المديرية العامة للحماية المدنية أن مصالحها تمكنت من إخماد 110 حرائق من أصل 174 حريقًا سُجلت خلال الفترة الممتدة من 27 إلى 28 أغسطس - آب ، فيما بقيت بؤر أخرى تحت عمليات الإخماد، وكانت جيجل من أكثر الولايات تأثرًا، مع تسجيل 20 حريقًا متواصلًا فيها وفق المعطيات التي أعلنتها الحماية المدنية.
وتعيد كارثة جيجل إلى الواجهة ملف حرائق الغابات في الجزائر، وهي ظاهرة تتكرر خلال فصل الصيف وتزداد خطورتها عندما تتزامن درجات الحرارة المرتفعة مع الجفاف والرياح، وهي ظروف تساعد على سرعة انتشار النيران في المناطق الغابات.
كما تزيد طبيعة التضاريس من صعوبة عمليات الإخماد، خصوصًا في المناطق الجبلية والوعرة، حيث يصبح وصول فرق الحماية المدنية والآليات إلى بعض البؤر أكثر صعوبة، بينما تسمح الرياح والنباتات الجافة بانتقال النيران بسرعة من منطقة إلى أخرى.
ولا يرتبط اندلاع الحرائق بالعوامل الطبيعية وحدها، إذ يبقى العامل البشري حاضرًا في عدد من حرائق الغابات، سواء من خلال الإهمال أو إشعال النيران في المناطق القريبة من الغطاء النباتي، إلى جانب احتمالات أخرى تتطلب التحقيق والتثبت من أسبابها في كل حادثة على حدة.
وتأتي مأساة جيجل بعد سنوات شهدت فيها الجزائر حرائق غابات دامية، ما يجعل الوقاية والإنذار المبكر وإدارة مناطق الغابات من الملفات التي تعود إلى الواجهة مع كل موسم صيف.

وفي هذا السياق، لا يقتصر الحد من الخسائر على عمليات الإطفاء بعد اندلاع النيران، وإنما يبدأ من مراقبة المناطق المعرضة للخطر والاستجابة السريعة عند ظهور بؤر الحريق. كما تبرز أهمية استخدام وسائل الرصد الحديثة، بما فيها الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة، إلى جانب صيانة المسالك الغابات وتهيئة الممرات التي تسمح لفرق الإطفاء بالوصول إلى المناطق المتضررة في أقصر وقت ممكن.
ويبرز كذلك دور السكان والمتطوعين في المناطق الغابات، خصوصًا في المراحل الأولى من الكارثة، إذ يمكن للتدخل المحلي السريع، بالتنسيق مع أجهزة الحماية المدنية، أن يسهم في الحد من انتشار النيران وإنقاذ الأشخاص الموجودين في المناطق المهددة.
غير أن حجم الخسائر التي خلفتها حرائق جيجل يتجاوز الأرقام المتعلقة بعدد الحرائق ومساحات الغطاء الغابي المتضررة، بعدما تحولت الكارثة إلى مأساة إنسانية فقدت فيها عائلات أقاربها، ووجدت فرق الإنقاذ نفسها أمام عمليات بحث وانتشال ودفن جماعي في مشاهد ستبقى حاضرة في ذاكرة سكان المنطقة.
ومع استمرار عمليات الإخماد وحصر الخسائر، تعود حرائق الغابات إلى واجهة النقاش في الجزائر، ليس فقط باعتبارها ظاهرة موسمية، وإنما باعتبارها خطرًا يهدد السكان والبيئة والممتلكات، ويحتاج إلى سياسات وقائية مستمرة تسبق اندلاع النيران، بدل الاكتفاء بمواجهتها بعد تحولها إلى كارثة.
رحم الله الضحايا وألهم ذويهم الصبر والسلوان.


